من قال ها أنـذا

الأربعاء 2015/08/19

أثارت إعجابي بحديثها المتوازن، البسيط والعميق في آن، سيدة لبنانية في خمسينات عمرها.. تحدثت في مقابلة تلفزيونية عن بداياتها وعن انتمائها لأسرة فقيرة متواضعة جداً.. وعن إصرارها أن تكون.. فحكت كيف شقت طريقها لتصبح صحفية معروفة وتدخل عالماً ظل حكراً على الرجال، فغدت محللة سياسية ومديرة لمركز أبحاث.. تحدثت عن طفولتها بتواضع وبفخر دون تزييف أو تجميل.. ولسان حالها يقول “إن الفتى من قال ها أنـَذا”.. فالفقر لم يكن ولن يكون عيباً.. بل هو مصدر افتخار للعصاميين الصادقين وللطموحين المصرين على إثبات وتحقيق ذواتهم.

ولأن الضد يظهر حسنه الضدّ.. فقد أحالني حوارها إلى ما صرت أراه وألمسه عند بعض البشر في المنفى.. فقد صار معتاداً بالنسبة لنا أن نجد فلان الفلاني الذي ذاع صيته متحدثاً عن جده الوطني الذي حارب الإنكليز وأبيه الذي امتلك نصف بغداد ونصف البصرة.. وعن مزارعهم في المحافظة الفلانية التي كانت قبلة الزائرين.. وعن طفولته التي كانت أشبه بطفولة الأمراء.. وكيف تعلم في مدارس خاصة وسافر ودرس وحصل على شهادات اختصاص لا يحصل عليها إلا النابغون.. ليظهر لنا فجأة من يعرف تاريخ ذلك الشخص فيتضح بأن كل ما قاله إن هو إلا أكاذيب وادعاءات لا أساس لها من الصحة.. وأن المشار إليه لا يعرف حتى اسم جده.

والشيء بالشيء يذكر حين نسمع عن سياسيين عراقيين عادوا من المنفى محملين بـ”أمجاد” من شهادات عليا وتاريخ نضالي وبطولات.. يصدف أن يعرّيها شخص كان على معرفة قديمة بذلك السياسي فيفضح ادعاءاته وشهاداته المزورة وتفاصيل حياته التي لا علاقة لها بنضال أو منجز أو علم.

وبالمقابل.. نجد أن البشر الحقيقيين والعلماء الحقيقيين والمناضلين الشرفاء هم أكثر الناس تواضعاً.. ونجدهم يخجلون من وصف منجزاتهم ونجاحاتهم.. ولا أدري هل أن الثقة بالنفس أو الامتلاء والاكتفاء بالذات هي التي تجعل هؤلاء لا يشبهون أولئك.. ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في أن الحقيقيين وأصحاب العقول والشهادات والمآثر أو المنتمين لعوائل معروفة بوطنيتها أو حبها للخير لا يروّجون لأنفسهم ولا يعيرون أهمية للتفاخر.. حتى اختلط الحابل بالنابل وأصبحت العملة الرديئة التي تطرد العملة الجيدة من السوق هي الصورة الأكثر شيوعاً.. ولم يعد لأحد أن يصدق الصادقين.

وتحضرني هنا عبارة قرأتها في مكان ما تنطبق على المزيفين.. تقول “لا أكذب من اثنين: شاب تغرّب في أول عمره، وشيخ مات مجايلوه”. فللأول أن يحكي ما يشاء عن أمجاده في الغربة إذ يعود لوطنه ولا أحد يستطيع تكذيبه، وللثاني أن يحكي ما يشاء من قصص عن تاريخه وليس لأحد أن يجد من ينفي أو يؤكد فكل من عاصره قد رحل عن العالم.

بقي أن أقول إنني مؤمنة بحكمة لن أحيد عنها.. وهي “لا يصح إلا الصحيح”، فمهما كان الأمر ومهما بدت الصورة قاتمة ومهما طال الانتظار أو بعـُد أوان القطاف.. فالصدق والتواضع والإصرار والاجتهاد الحقيقي لابد أن تأتي اُكـُلـَها ولو بعد حين..

ومهما تلامعت الأشياء وتلوّنت وتزيّنت يبقى الصدق أحلاها وأبهاها.. ولذا تبقى عيون الأطفال هي الأكثر نقاء من كل نظرات العالم..

صباحكم صدق..

21