"من قتل الإبداع؟" للبريطانيين جايا وأندرو جرانت

الأحد 2016/04/17
البراءة الإبداعية التي تميزنا باكرا

يحاول البريطانيان جايا جرانت وأندرو جرانت في كتابهما المشترك “من قتل الإبداع؟” البحث في العوامل التي تساهم في إخراج الإنسان من دائرة الإبداع وقتل الموهبة لديه أو تحجميها بحجج مختلفة. يعتمد المؤلفان على أبحاث ميدانية وتجارب خاضاها على مدار سنوات من عملهما المشترك في مراكز أبحاث خاصة.

يستهل المؤلفان كتابهما (منشورات مؤسسة هنداوي في القاهرة بترجمة أحمد عبد المنعم يوسف 2015 م) بحكاية شخصية، يتذكران حين كانا في جزيرة “بالي” في إجازة صيفية، تفاجآ بالتغيرات التي اجتاحت الجزيرة، بما يشبه عملية تبديد لهوية المكان، وكيف أن التغيرات الأولى بدت بريئة للغاية، ثم ازدادت التغيرات بعد ستة أشهر من افتتاح بعض سكان المنطقة لأربعة مطاعم صغيرة لشواء الأكلات البحرية على الشاطئ، وواقع استنساخ الأماكن التجارية والخدمية للاستثمار وجني الأموال من السائحين، من دون الالتفات إلى المحافظة على هوية الجزيرة وثقافتها.

يذكران أن السياحة اقتحمت رقعتهما من الفردوس وتركت علامة لا تمّحي. وبمرور الوقت، انهال تدفق الوفود الضخمة على تلك المنطقة المحلية، فاختنقت بالدخان وضربها جشع التجارة ثم غزاها الإرهابيون في النهاية. يقولان إن ذاك المكان لم يعد المكان الذي أغرما به من قبل؛ إذ تحول إلى شيء مختلف بالكليّة، وسارت القرية التي اتّسمت بالبراءة فيما مضى في اتجاه حتمي لتدمير نفسها.

ويستدركان بالتنويه إلى أنّ انتكاس ذاك الموطن الشاطئي الجميل لا يرجع إلى أمر محدد بعينه، بل إلى مزيج من العوامل، إلى سلسلة من الأحداث لا أمل في الرجوع فيها بكل وضوح. فلم يتعمّد أحد تدمير الشاطئ أو المجتمع القروي، بل لم يعترف أحد بالمساهمة في هذا القتل البطيء المؤلم. ومع ذلك، كان الأثر الناتج واضحا للجميع.

مسرح الجريمة

يعتقدان أن البراءة الإبداعية تتعرض تدريجياً للدهس والخنق والاعتداء المباشر في جميع مجالات الحياة وفي كافة أنحاء العالم. فيصطدم الناس مع وقائع التغيير الجذري المتوالية في حياتهم الفردية ومجتمعاتهم ومؤسساتهم، حتى أنهم يجدون صعوبة في مواكبة كل التغيرات. وأول ضحايا هذه العملية هو عادة الإبداع الذي لا يمكنه تحمّل مثل هذه الضغوط الخارجية بسهولة. وحال اختناق الإبداع كمثل حال تخريب خليج جزيرة بالي، فلم يكن أيّ منهما متعمدا. يقولان “ليس ثمة مجرم أو منظمة ممن لديهم خطة شاملة لتحويلنا إلى كائنات من الموتى الأحياء بلا مخيّلة”.

يقولان كذلك إنه يبدو أن البراءة الإبداعية التي كانت تعرفنا وتميزنا في صغرنا تاهت وسط السعي لتحقيق الأهداف الشخصية أو المؤسسية. ويبدو الأمر كأنّنا نغفل المبادئ والشغف الذي يمدنا بالهدف، ونفقد الدافع والقدرة على الإبداع أثناء تلك العملية. وفي حين كان الجميع في “بالي” مشغولين بجني المال من السياح، احتضر الشاطئ النقيّ وانهارت القيم الأساسية لمجتمع “بالي” المبدع. ويلفتان إلى سقوط العديد من المؤسسات في الفخ نفسه؛ فتسعى وراء جني الربح قصير الأمد في مقابل خسارة القيم الراسخة، وهذا مثال واضح للبراءة المفقودة.

يحقق المؤلفان في ما يسمّيانه مسرح الجريمة ويستعرضان أسباب اعتقادهما بأن الإبداع آخذ في الانحدار، كما أنهما يبحثان في المواقع المحتملة للقتلة، ويناقشان تفصيلا سبب أهمية إنقاذ الإبداع.

يبدو أن البراءة الإبداعية التي كانت تعرفنا وتميزنا في صغرنا تاهت وسط السعي لتحقيق الأهداف الشخصية أو المؤسسية. ويبدو الأمر كأننا نغفل المبادئ والشغف الذي يمدنا بالهدف، ونفقد الدافع والقدرة على الإبداع أثناء تلك العملية

ويبحر المؤلفان في آخر الأبحاث المثيرة حول المخ لاكتشاف كيفية اكتساب مهارة التفكير الإبداعي، وتوفير الأنماط النفسية للمنقذين المحتملين واكتشاف بعض الاستراتيجيات البسيطة التي يمكن استخدامها لإنقاذ الإبداع. فضلا عن اكتشاف المواطن التي يمكن إنقاذ الإبداع فيها.

يطلق المؤلفان أسئلة من قبيل: من أو ما الذي قتل الإبداع؟ كيف قتل، ما السلاح؟ أين قتل؟ يحاولان توضيح كيف قتل الإبداع، وأنه لم يتسبّب عامل واحد في مقتله بل مزيج من العوامل المشتركة. ويستكشفان أن كثيرا من هذه العوامل يقع تحت السيطرة. والخبر السار هو أن الإبداع -على عكس الموت الجسدي- لا يفنى تماما أبدا. فتبقى القدرة مغروسة في الإنسان. ويفترضان أسئلة مقابلة من قبيل: من أو ما الذي يمكنه إنقاذ الإبداع؟ كيف يمكن إنقاذه، وما الاستراتيجيات التي يمكن استخدامها؟ أين يمكن إنقاذه؟

ومن جهة أخرى يسعى المؤلفان إلى استكشاف بعض الاستراتيجيات البسيطة لتنمية التفكير الإبداعي والتطبيقات الإبداعية على جميع المستويات. يذكران أنه لما كان الإبداع روحا حرة قد تتهرب من المدرسة أو العمل بسعادة وتقضي ساعات في أحلام اليقظة بالحقول الفسيحة، فإنه يمثل الطفل الكامن بداخلنا جميعا الذي يتوق للحرية. وعندما يقيّد الإبداع بالروتين أو يحصر بالتوقعات، فإنه يصارع من أجل البقاء. فهو يعتمد على الفرص الجديدة في طرح أفكار جديدة من شأنها أن تمدّ العقل والروح بالأكسيجين. ومتى خنق أيّ منهما بأيّ عدد من العوامل الخفية أو معْلنة القسوة، يقتل الإبداع.

جذوة الحياة

يجدان أنّ التفكير الإبداعي يمكّن الناس من التعامل مع المشكلات والحلول بطرق أكثر ابتكارا. وفيما يتعلق بالقدرة على دمج الأفكار الموجودة بالفعل في تركيبات جديدة، فيشيران إلى أنه لا يمكن، دون التفكير الإبداعي، أن نتعلم كيف نتأقلم من أجل أن نتمكن من التعامل مع المستقبل؛ فسنبقى دائماً عالقين في الماضي ولن نتمكن من البقاء. ومن ثمة، فإن الإبداع شديد الأهمية لبقاء الأفراد والمؤسسات. والأكثر أهمية التفكير الإبداعي الذي يعاوننا على إنقاذ العالم؛ لأنه يمكننا من الحلم وتخيل مستقبل أفضل ومن تنفيذ هذه الرؤيا.

يشيران إلى أنه عندما حدد مارتن لوثر كينج رؤيته للمستقبل في كلمته “لديّ حلم” فإنه جسّد موهبة التفكير الإبداعي ومقدرتها على خلق الدافع للتغيير وعلى التحفيز لثورة حقيقية. ودون هذه الشرارة الإبداعية، وهي شرارة لا بد لها أن تشتعل إلى حد ما داخلنا جميعاً، فإن جذوة الحياة ذات المعنى، ووجودنا برمته سيكون بلا مضمون أو غرض حقيقي.

التفكير الإبداعي ضروري لتطوّر الجنس البشري

ويرى المؤلفان أن التفكير الإبداعي ضروري لتطوّر الجنس البشري واستمرار الحياة لما هو أسمى من مجرّد البقاء المادي، وأننا إن أعدنا النظر إلى الماضي، فسنجد أن العديد من الأفكار والمثل العليا التي أصبحت سائدة الآن بدأت بحلم إبداعي لعدد قليل من الأفراد الثوريين المنعزلين الذين كان ينظر إليهم على أنهم متطرفون، لكن أصبح لهم اليوم كبير الأثر على مستقبل الكوكب بأكمله.

يوجزان المراحل الأربع لعملية القتل بالقمع، التقييد، التدهور، التدمير. ويعتقدان أن الابتكار يحتاج في معظم الأحيان إلى أن ينبع من القمة حتى يضمن بقاءه، أو يستلزم على الأقل بعض الدعم من القمة. وتحتاج الشركات المبتكرة إلى قادة مبتكرين. فأينما فرض القادة السيطرة السلبية والقسرية على فرقهم باستخدام أساليب القيادة الاستبدادية، عانت الثقة الإبداعية. فالقادة الذين يبدون شكوكهم دون دراسة الإمكانات الإبداعية للأفكار الوليدة، والذين لا يقرّون بالجهود الإبداعية النابعة من الموظفين أو يقبلون بها، لا يثبّطون الإبداع فقط بل يطفئون جذْوته حقيقة.

يؤكد الكاتبان أنه بدلا من اقتصار عملية الإنقاذ على الإبداع وحده، وهو القدرة على استخدام الخيال للتّوصل إلى أفكار أو أشياء جديدة ومبتكرة، علينا اتخاذ خطوة أخرى بإحياء التفكير الإبداعي خلال تقديم استراتيجيات للنمو المتواصل. والحلّ الإبداعي للمشكلات هو عملية ابتكار حلّ لمسألة أو مشكلة أو فرصة أو تحدّ، وهو النتيجة الطبيعية للتفكير الإبداعي.

يشير الباحثان إلى أن الإبداع يبدأ مع الفرد، إلا أن الأفراد عادة لا يفسحون المجال أمام إبداعهم للنمو. فضغوط الوقت، ومواعيد التسليم، والبيئة التي لا توفّر الدعم، والخوف من الفشل، والبيروقراطية، كلها يمكن أن تؤدي إلى شلّ الإبداع، لكن أكثر ما يهدّده هو قلة التدريب. ولأنك تسيْطر على حياتك، يمكنك تنمية الإبداع بمهارة، فمتى كانت آخر مرة خصصت فيها بالفعل وقتا لمحاولة القيام بشيء إبداعي؟

يلفتان كذلك إلى وجود أربع مراحل في عملية الإنقاذ، وهي: التحرر، المبادرة، التحفيز، التحول. وهناك استراتيجيات يوصيان بها للمساعدة في عملية الإنقاذ، وإحياء الإبداع. وهي تكمن في الحرية والشجاعة للتقدم للأمام والتفكير بحرية الحرية، غرس الفضول، الشجاعة، تقبّل الغموض. المبادرة والاستقلالية والانفتاح العقلي للتخلص من الضغوط وتحقيق النمو الاستقلالية، إطلاق العنان للخيال تفتح الذهن، استخدام شقّي المخ. التحفيز والشغف لإحداث تحول الشغف، إعادة صياغة المفاهيم الشائعة. ومن ثمة التحول والمرونة والإيجابية لإجراء تغييرات حقيقية المرونة، استكشاف مسارات مختلفة فالإيجابية تبني التفاؤل.

يوصيان كذلك بأهمية الانفتاح بحق على المشاعر والعواطف الدفينة. وتأمّل كيف يمكننا التواصل مع المشاعر العميقة التي تجلب على حياتنا شغفا ومعنى، عبْر التعامل مع عواطفنا الدفينة والاستجابة لها، ما يمكننا ربما من إشعال حس التواصل والهدف. وبالتأكيد هذا شكل من أشكال التحرر الجديرة بالسعي وراءها على الرغم من التحديات المحتملة.

عن المؤلفيْن:

* جايا جرانت: مؤسس مشارك لشركة تيريان للاستشارات الدولية ومديرها التنفيذي. شاركت في تأليف العديد من الكتب والمصادر الأخرى، من بينها “رقعة من الفردوس” و”إيقاع الحياة”.

* أندرو جرانت: مؤسس مشارك لشركة تيريان للاستشارات الدولية ومديرها التنفيذي. يتمتع بخبرة كبيرة استقاها من السفر حول العالم على مدار 25 عاما لاستكشاف التفكير الإبداعي سعيا وراء إحداث تغيير إيجابي. شارك في تأليف العديد من المصادر التعليمية الموجّهة لمختلف المستويات الوظيفية.

كاتب من سوريا

12