من قتل ناهض حتر

الاثنين 2016/09/26

الأمر ليس مرتبطا بالضرورة بالرسم الكاريكاتيري الذي نشره الصحافي والكاتب الأردني ناهض حتر على صفحته بالفيسبوك، فيمكن أن يكون فكرة أراد التعبير عنها بالشكل الذي رآه مناسبا، بالرغم من أن هذه النقطة فيها استفاضة واسعة للنقاش نظرا للتأثر السريع بالمرئي، وهذا من سمات الفكر السلفي، فلو كانت فكرة حتر قد حررت في شكل مقالة فربما لن يسمع بها أحد، لأن القراء قليلون، بل هم نادرون وخاصة القتلة منهم.

الأمر مرتبط بفعل القتل بسبب الفكرة. يعني أن القاتل يعتقد أنه بقتل الضحية سوف لن يبقى للكاتب أثر بعد ذلك، وهذا عين الغباء.

بالبحث في تاريخ اغتيالات الصحافيين في الأردن، لا يمكن العثور على جريمة قتل من هذا النوع سابقا كما أكدت لائحة اليونيسكو لدول شهدت اغتيالات صحافيين من قبل، فقد افتتح ناهض حتر تجربة قتل الصحافيين من أجل آرائهم في بلاده، وكان بجسمه الكهل ونظاراته الواسعة أول ضحية يسقط أمام قصر العدالة في العاصمة عمّان، بعد أن غادر القصر لإتمام إجراءات إطلاق سراحه بكفالة نتيجة نشره لرسمة كاريكاتير على صفحته الخاصة بالفيسبوك اعتبرها القضاء مسّا بالذات الإلهية رغم أنها عبّرت عن خيال ناهض وتوقعه لحال أحد “المسلمين” في الجنة.

ساهم إقرار القضاء الأردني “بذنب” حتر ومعاقبته بخطية جراء نشره لرسمة الكاريكاتير تلك، وعلى إثر قرار المحكمة إخلاء سبيله مقابل الكفالة، قرر الجناة ارتكاب الجريمة. فقد أكد القضاء الأردني أن الصحافي مذنب، ومن خلال ذلك التأكيد حكم الظلاميون بقانونهم الذي لا يشبه شيئا، والحكم هو القتل.

لا يمكن إلقاء اللوم على القاضي الذي تناول القضية، فالأصل في الأشياء أن نعتقد أن الأخير اجتهد في إخراج ناهض من دائرة الاتهام، لكن الأكيد في القضية برمتها أنها دخلت تحت سقف ترسانة ثقيلة من القوانين والضوابط التي تضع الكاتب في أسر تراث ضخم من التفكير الديني والعقلية الضيقة والرؤية التي لا تتجاوز امتداد الأنف. والملفت في الأمر أن سبب اغتيال الكاتب والصحافي الأردني هو ذاته سبب لاغتيال صحافيين وكتاب ومفكرين آخرين في مصر ولبنان والعراق وتونس والجزائر، إنه “الحرية” مقابل “الظلام”.

لقد قام الإسلاميون المتطرفون في الجزائر باغتيال 39 صحافيا في ثلاث سنوات فقط، بين 1993 و1996، أي في غمرة العشرية السوداء (أو الحمراء) التي حولت الجزائر إلى مسلخة بشرية بشعة ارتكبت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ والجماعات التي تدور في فلكها جرائم ذبح راح ضحيتها المئات من الأبرياء.

مصر، شهدت هي الأخرى “أضحوكة” لا يزال المثقفون واليساريون والكتاب والصحافيون يتندرون بها إلى اليوم، رغم أن الأمر يدعو إلى النواح مدى الدهر. فقد قال قاتل المفكر المصري فرج فودة ردا على سؤال القاضي “لماذا قتلت فرج فودة؟”، إن المجني عليه “كافر”، فسأل القاضي المتهم “وكيف عرفت أنه كافر، هل قرأت له”؟ فأجاب المتهم “أنا أمّي، لا أعرف القراءة والكتابة”.

الخوف كل الخوف أن يكون قاتل ناهض حتر أميّا أيضا، لا يعرف القراءة والكتابة. وللاستدراك فإنه فعلا أمّي، لأن قتل الكاتب الحر يجب أن يكون دافعه نقيضا له، أي الجهل والخضوع لسلطة الخيال لا سلطة العقل.

لقد قام التاريخ بقتل ناهض. ذلك التاريخ الذي لا يكف عن إعادة نفسه في كل مناسبة يعيش فيها الإنسان العربي نكوصا أصبح معتادا، بل أصبح ضمن مفردات تعريف الإنسان العربي بينه وبين نفسه وبينه وبين الآخر. فالرجل يعتبر إلى الآن آخر حلقة من حلقات إعدام الأفكار والأحلام والرؤى والمشاريع، وهو يصطف يسارا في آخر سلسلة المجني عليهم باسم الله، ابتداء من ابن المقفع وأعلام المعتزلة العقلانيين مرورا بابن رشد والعديد من الأسماء الأخرى وصولا إلى ناهض حتر.

يمكن أن يختلف كل الناس مع ناهض، ويمكن ألا يختلف معه أحد، فكل تلك الأمور المتعلقة بالرأي والأفكار ووجهات النظر نسبية. لكن أن يصل الأمر إلى القتل لأن زوايا النظر ليست متطابقة فهذه حالة مرضية، بل وبائية ولا يجب التطبيع معها بأي شكل من الأشكال. وتبقى التساؤلات قائمة ويعاد طرحها في كل مناسبة أليمة مثل هذه التي ننعى فيها زميلا صحافيا “إلى أين يأخذنا تاريخنا وتراثنا؟ وهل من الضروري أن ننفصل عنهما كي نكون متطابقين مع ساعة العصر؟ ما الذي سوف يحدث إذا قلنا مثلا إن الوقت قد حان للتفكير في أفق الدين داخل المجتمعات العربية، وإنه من الضروري مراجعة دوره؟ هل سنموت بالرصاص أيضا؟”.

صحافي من تونس

6