من قصف درنة لا يريد توحيد الجيش

الجمعة 2017/11/03

تنفذ مصر بين الحين والآخر ضربات جوية على معاقل المتطرفين في مدينة درنة شرق ليبيا كرد على عدوانهم، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن نوجه أصابع الاتهام لمصر في كل عملية من هذا النوع.

بمجرد أن قصف طيران مجهول للمدينة مساء الإثنين، في عملية أوقعت 18 قتيلا بينهم نساء وأطفال، حتى بدأ الإسلاميون والجماعات المحسوبة عليهم في توجيه اتهامات صريحة ومتحاملة لمصر، لا بل إن أحد العسكريين التابعين لعملية البنيان المرصوص الموالية للمجلس الرئاسي، هدد مصر بشن ضربات ردا على الغارة!

هذه الاتهامات كانت لتبدو واقعية لو لم يتزامن القصف مع اجتماع لعسكريين ليبيين في القاهرة يهدف إلى توحيد المؤسسة العسكرية.

مصر التي تبذل منذ نحو سنة جهودا مضنية لتحقيق نجاح دبلوماسي جديد يتمثل في توحيد مؤسسة عسكرية لدولة جارة استغلت الميليشيات تشرذم جيشها لنشر التطرف والفوضى، لا يمكن أن تدمر جهودها بكل هذه البساطة.

الاجتماع الذي يجري الآن في القاهرة ليس الاجتماع الأول بل الثالث الذي تشرف عليه اللجنة المصرية المكلفة بالملف الليبي بقيادة الفريق محمود حجازي.

يضم الاجتماع عسكريين عن الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر، وآخرين عن القوات التابعة للمجلس الرئاسي، من بينهم ضباط عن مدينة مصراتة التي تربطها علاقات جيدة منذ القديم بدرنة وضباط من مدن أخرى لكنهم في النهاية جميعا ضد قصف درنة وحتى حصارها.

بالتأكيد تدرك مصر، وتعي جيدا مثل هذه الجزئية، فالمفاوضات التي تقودها ليست مفاوضات شكلية بين طرف واحد منقسم لمجموعتين. المسألة معقدة والخلافات بين الجانبين أكثر من عميقة ومصر التي قطعت أشواطا في تذليل العقبات لن تأتي في المراحل الأخيرة لتفسد كل ما قامت به. من نفذ هذا الهجوم كان ينتظر أن ينسحب الطرف المحسوب على المجلس الرئاسي من المفاوضات وتذهب جهود المصريين والليبيين على حد سواء أدراج الرياح. الفريق المحسوب على المجلس الرئاسي كان أذكى من أن تنطلي عليه هذه الخدعة والدليل أن الاجتماعات مستمرة والتحق بها الأربعاء خليفة حفتر.

ببساطة من نفذ هذا الهجوم طرف ليبي أو إقليمي ليس من مصلحته قيام مؤسسة عسكرية في ليبيا، وليس من مصلحته أيضا تحقيق مصر لانتصار دبلوماسي جديد خاصة بعد نجاحها في تحقيق المصالحة الفلسطينية.

نجاح مصر في توحيد الجيش يعني سحب الملف الليبي من أيادي دول غربية وإقليمية طالما تمعشت من الفوضى العاصفة بالبلاد منذ إسقاط نظام العقيد الراحل معمر القذافي، تلك الدول نفسها التي دعمت الميليشيات والمتطرفين وعرقلت ومازالت تعرقل قيام جيش يحمي المؤسسات والدولة.

مصر أدانت القصف وهو ما يؤكد عدم مسؤوليتها عن الهجوم، والناطق الرسمي باسم القيادة العامة للجيش نفى أي صلة للجيش بالقصف، مؤكدا في إيجاز صحافي مصور أن من نفذه جماعات إرهابية.

اتهام المسماري للجماعات الإرهابية لا يبدو دقيقا، إذ كيف تحصّل الإرهابيون على طائرات نفاثة ذات قدرة على رصد أهدافها ليلا والحال أن سلاح الجو الليبي لا يمتلك سوى بعض المروحيات القديمة، لكنه ربما كان يقصد إرهابيين من نوع آخر أو لنقل أطرافا خارجية داعمة لهم.

يقول المنطق، عند حدوث أي جريمة، فتش عن المستفيد. توحيد المؤسسة العسكرية يعني ببساطة انتهاء سطوة ونفوذ الميليشيات وكذلك داعميها. المنطقة الغربية مازالت تحت سيطرة الميليشيات رغم نجاح الجيش في انتزاع بعض المدن كصبراتة وصرمان والعجيلات.

التصريحات التي أدلى بها المسماري قبل أيام من بدء اجتماعات القاهرة، واضح أنها أثارت مخاوف كل من لا يرغب في رؤية ليبيا تحت سيطرة جيش موحد.

المسماري قال إن المنطقة الغربية منطقة عمليات وطرابلس جاهزة لاستقبال الجيش، ملمحا إلى وجود تنسيق بين ضباط المنطقة الغربية والقيادة العامة في الرجمة بشأن تحييد بعض التشكيلات المسلحة والقضاء على كل من لا يريد الانصهار داخل الجيش.

كل المؤشرات تدل على أن الأمور تسير ضد الجماعات الإرهابية والميليشيات التي تقدم نفسها لليبيين والعالم على أنها حامية حمى “ثورة 17 فبراير”، في حين ظلت طيلة السنوات الماضية تنفذ مصالح الدول الداعمة لها التي تعلم أن قيام مؤسسة عسكرية بداية نهاية الانقسام بكل أشكاله في ليبيا.

كاتبة تونسية

8