من كان يتخيل أن كتاب أكبر المسلسلات يعيشون على حد الكفاف

وقع كتّاب هوليوود في خدعة نتيجة طموحاتهم المعنوية، فقد كانت المكافآت المالية عالية في ثمانينات القرن الماضي مع محدودية التقدير، والآن حقّقوا الاحترام الذي ناضلوا من أجله بينما فقدوا المردود المالي الذي تستحقه إبداعاتهم.
الثلاثاء 2017/05/09
كاتب "هاوس أوف كاردز" عبقري، لكن من دون تقدير حقيقي

واشنطن – وضعت منصّات البث، على غرار "نيتفليكس" و"أبل تي في" و"أمازون"، كتّاب السيناريو في مكانة مرموقة كانوا في السابق يحلمون بها، رغم أنهم كانوا يحققون أرباحا طائلة تفوق ما تحققه غالبية كتّاب اليوم.

وكان المخرج هو المحور الأساسي للعمل الفني، خصوصا في هوليوود، إذ كان ينظر إلى كاتب السيناريو باعتباره موظفا من بين مئات الموظفين القائمين على العمل، لكنه كان موظفا ثريّا.

واليوم أدّت الطفرة في عدد المسلسلات الدرامية عالية الجودة، خصوصا المسلسلات التي تبث في صورة مواسم على منصّات البث، إلى إعادة الاعتبار لكتّاب السيناريو مرة أخرى بالتزامن مع مرحلة جديدة وغير مسبوقة من الإبداع تشهدها كتابة السيناريو.

حلم الحصول على الاحترام

قال أحد أبرز كتّاب هوليوود ويليام غولدمان في عام 1983 في كتابه "مغامرات صناعة الشاشة" إن "ما تحصل عليه من مبلغ مالي هو أكبر بشكل مذهل بالمقارنة مع قيمة الكتابة الحقيقية، وهذا من المحتّم أن يجعلك مرتاحا". كان ذلك في وقت يمثّل المال فيه هدفا بالنسبة إلى كتّاب السيناريو في هوليوود، لكن أغلبهم لم يكن يحظى بسمعة جيدة، ولم يكن يُعامل بالاحترام الكافي في الوسط الفني الأميركي. ويقول غولدمان "أنت لا تحصل على الاحترام والاعتراف بعملك إلا في استثناءات نادرة جدا، لكن يظل بإمكانك الحصول على رواتب ومكافآت مالية جيدة".

ومن أبرز شكاوى غولدمان أن المخرجين كانوا يعتبرون أنفسهم الكتّاب الحقيقيين والقوة الخلاقة في أفلام هوليوود، في حين أن الكتّاب يعاملون كمجرد موظفين في العمل.

بيلي راي: ما حققته الإضرابات لا يمثل كل ما نستحقه ولكنها ستجلب مكاسب تساعد العديد من الكتاب

وبعد ثلاثين عاما وقعت حادثة غريبة، إذ استطاعت الدراما التفوق على السينما باعتبارها وسيلة للحصول على الكتّاب الأكثر طموحا. وأصبح البعض من كتّاب السيناريو يحظون باعتراف الجميع وتقديره كما هو الحال مع مسلسل "هاوس أوف كاردز" و"غيم أوف ثرونز". ورغم ذلك بات العديد منهم الآن يحصلون على مقابل مادي أقل.

ودفع ذلك الكثير من كتّاب السيناريو، الذين تدهور بهم الحال عبر ثلاثة عقود، إلى الإعلان عن تنظيمهم إضرابا مفتوحا عن العمل.

وعلى الفور رفع تهديد كتّاب السيناريو في هوليوود المكافآت المالية بعد موافقة "نقابة الكتّاب الأميركية"، وهي اتحاد صغير ولكنه يتمتع بنفوذ كبير، على عقد جديد لمدة ثلاث سنوات مع شركات "أستديوهات هوليوود".

وهذا الاتفاق الأخير مع "نقابة الكتّاب الأميركية" جنّب صناعة السينما سلسلة جديدة من الإضرابات التي كانت من المتوقع أن توقف عمل العديد من شركات الإنتاج التلفزيوني والسينمائي.

فقد دخلت شركات "أستديوهات هوليوود" منذ مارس الماضي في مفاوضات لتحقيق مطالب "نقابة الكتّاب الأميركية"، التي تمثّل حوالي 9 آلاف كاتب سيناريو، في ما يتعلق بالأجور وتقاسم الأرباح.

وتخوّفت شركات الإنتاج من تكرار إضرابات عامي 2007 و2008. وتسببت تلك الإضرابات في إلغاء أو تأخير أفلام وبرامج، على رأسها برنامج "دردشة فكاهية" الذي عانى لإيجاد كتّاب نكات في تلك الفترة. وكبّدت تلك الإضرابات الشركات المنتجة في هوليوود خسائر وصلت إلى 2.1 مليار دولار.

وتمثّلت مطالب "نقابة الكتّاب الأميركية" في زيادة المقابل المادي عن كل حلقة تلفزيونية، والحصول على جزء من الأرباح عند إعادة عرض أعمال الكتّاب الأعضاء بين صفوفها.

كما اشتكت النقابة من أن الكتّاب لا يحصلون على أرباح كافية عند بث أعمالهم على الإنترنت، مشيرة إلى انخفاض أجور كتّاب السيناريو ومنتجي الأعمال التلفزيونية بنسبة 23 في المئة بالمقارنة مع العامين الماضيين.

وطالب حوالي 96 في المئة من بين أكثر من 9 آلاف عضو بالنقابة بتنظيم إضراب احتجاجي إذا لم تتم الاستجابة لمطالبهم أثناء المفاوضات.

وأعلن عضو "نقابة الكتّاب الأميركية" بيلي راي عن توصّل النقابة واستوديوهات الإنتاج لاتفاق "لا يمثّل كل ما نستحقه"، ولكنه سيجلب "مكاسب كبيرة ستساعد العديد من الكتّاب".

نيتفليكس سببت طفرة في الإنتاج التلفزيوني

وكشفت الخلافات بين "نقابة الكتّاب الأميركية" وشركات الإنتاج حالات غريبة لغياب الحقوق وتدهور حال كتّاب السيناريو الأميركيين، كان أبرزها أن الكتّاب لم يحصلوا على كل الحقوق التي يستحقونها.

فعلى سبيل المثال كان على شوندا ريميس، كاتبة مسلسل "سكاندل آند غرايز اناتومي"، وكارلتون كوزي كاتب مسلسل "لوست آند باتس موتيل"، مسؤوليات وأعباء أكبر بكثير من الكتّاب القدامى، لكنهم في نفس الوقت يحصلون على تعويضات مالية أقل من هؤلاء القدامى بكثير.

ومن المفترض نظريا أن تكون الأمور بعكس ما يحدث، فبمجرد أن يتحمّل أيّ موظف أو فنان أعباء أكثر، فمن الطبيعي أن يتوقع تقاضي مقابل أكبر من ذي قبل. لكن عمليّا حصل كتّاب السيناريو الأميركيون على العكس تماما مما توقعوه.

فالكتّاب السابقون كانوا يتقاضون أجرا أكبر رغم أنهم يحصلون أيضا على استحقاقات إضافية عندما يتم حتى إعادة بث أعمالهم سواء كان برنامجا أو مسلسلا أو فيلما. بينما كتّاب هذا العصر هم أكثر ابتكارا ويتقاضون مكافآت محدودة بالمقارنة.

ويقول نقاد سينمائيون إن هناك حاجة كبيرة لهؤلاء الكتّاب، لكنهم مع ذلك لا يوجد تقدير مادي يوافي جهودهم. فهناك نموّ في خدمات البث وتوسع الوسائط الجديدة للبث الإلكتروني أيضا مثل "نيتفليكس" و"أمازون لف فيلمز" جنبا إلى جنب مع برامج ذات جودة عالية تبث على القنوات التقليدية الأميركية، كل هذا سبّب طفرة في الإنتاج التلفزيوني.

والعام الماضي تم انتاج حوالي 455 مسلسلا جديدا، بالمقارنة مع أقل من نصف هذا العدد خرج إلى النور عام 2010. واليوم تعيش الولايات المتحدة عصر “الذروة للتلفزيون”، وقد أطلقته للمرة الأولى شبكات “إف إكس”، إذ تم انتاج كم هائل من الأعمال الدرامية الإبداعية من قبل الكتّاب، بالمقارنة مع ما اُنتج من الأفلام. وأصبح التلفزيون الملاذ للدراما عالية الجودة.

وجلب هذا التحوّل في عالم التلفزيون أرباحا كبيرة، فنية ومالية لمجموعة النخبة من الكتّاب فقط. وجعل هذا التحوّل كتّاب السيناريو يحظون بمكانة أعلى ودور أكبر يضاهي دور المخرج والمنتج. وحقق التطور في وضعية الكتّاب أخيرا حلم غولدمن بأن يصبح الكتّاب في موقع المخرج (كنجوم) وليس العكس.

وأصبح لدى الكتّاب المميّزين أعمالهم الخاصة على شكل شركات إنتاج واستوديوهات وعقود مربحة، إذ حققوا أرباحا كبيرة من القفزة التي حققها التلفزيون. وأفسحت هذه الأعمال الخاصة المجال أمام الكتّاب لإظهار إبداعاتهم بحرية كما هو الحال في مسلسل “بريكنيغ باد".

ريتشارد كافس: الفنانون يعانون من غريزة "الفن لأجل الفن" ويقبلون بأجور متواضعة لأكبر أعمالهم الإبداعية

تخمة في العمل التلفزيوني

لكن الكتّاب بدأوا يواجهون مشكلة من نوع آخر؛ وهي التخمة في العمل التلفزيوني الإبداعي. وتعوّد مشاهدو التلفزيون في الولايات المتحدة على مشاهدة المسلسلات الطويلة سواء كانت دراما أو كوميديا مثل “لو آند اوردر” و”سينفيلد”. ويحصل كتّاب هذه الأعمال غالبا على عقود تمنحهم مكافآت حتى على إعادة بث هذه الأعمال على شاشات التلفزيون يطلق عليها “رسوم الإعادة”.

وأصبحت المسلسلات الجديدة قصيرة، إذ يقدّر الموسم بـ10 إلى 13 حلقة بالمقارنة مع المعيار القديم من 22 إلى 24 حلقة.

وأصبح الكتّاب يواجهون المزيد من المنافسة، وبالتالي تراجعت نسب مشاهدة المسلسلات التي يتم إعادة بثها، وبكلام آخر تتراجع “رسوم الإعادة” بالنسبة إلى كتّاب تلك المسلسلات، ومن ثمّ أضرّ العصر الذهبي للتلفزيون بمداخيل الكتّاب.

وتقول سارة شريدان، وهي كاتبة بريطانية متخصصة في الروايات التاريخية، “أكتب روايات تاريخية منذ 20 عاما، ومنذ وقت مبكر اكتشفت أن وظيفة الكاتب لا تحظى بفهم جيد لأن ليس ثمة درجات محددة للدفع”. وأضافت “الكاتب هو شخص غامض، غالبا ما يكون وحيدا سابحا في الخيال، لكن إذا أصدرت كتابا حقق مبيعات كبيرة، أو إذا تحوّل كتابك إلى فيلم أو مسلسل، سيعتقد كثيرون أنه ليس عليك أن تعمل مرة أخرى طوال حياتك”. وقالت “دخل الكتّاب تراجع كثيرا خلال العقد الماضي. هناك الكثيرون الذين يطمحون بأن يصبحوا كتّابا مما يجعل الوضع صعبا بالنسبة إلينا. حتى في بيئة العمل، لا يتم اعتبار الكتاب جزءا من الفريق”. وتتراجع مكافآت الكتّاب، باستثناء من يحصلون على عروض خاصة، بشكل واضح لأنهم يقضون وقتا طويلا في كتابة كل حلقة على حدة، ويتقاضون أقل من ذي قبل. ويدفع المنتجون للكتاب الحد الأدنى للأجور وفقا لمعايير النقابة.

لكن كتّاب هوليوود حققوا بعض التقدّم في اتفاق هذا الأسبوع الذي عقد بين “نقابة الكتّاب الأميركيين” وضمّنت بعض الزيادات في رواتبهم. ولكن الأهم من كل ذلك، أنّ على هؤلاء الكتّاب أن يعيدوا النظر في ما حققوه، فلقد ناضلوا لسنوات من أجل أن يكون لهم دور إبداعي أكبر وإدارة لابتكاراتهم واحترام لدورهم واعتراف بنجوميتهم، ولكنهم اكتشفوا أنّ هناك خدعة انطلت عليهم. فقد كسبوا المزيد من الاحترام وخسروا المزيد من المال.

ويقول أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد ريتشارد كافس "إن العاملين في قطاع الترفيه يعانون من غريزة الفن لأجل الفن”. وأضافّ”الفنانون قد يقبلون أجورا متواضعة لأعمالهم الإبداعية والتي تضيّع عليهم فرصة الحصول على رواتب أفضل حتى لو عملوا في وظائف وأعمال مملة، هذا يعني إنه يمكن أن ينظر إلى الفنانين باعتبارهم مصدرا للعمالة الرخيصة".

13