من كتاب الخرفان

السبت 2014/05/31

الأيام ليستْ على ما أرومُ . أقصد أيّامي وأيامكم بالطبع. ثمة ثقب الأوزون والاحتباس الحراريّ والرعب النوويّ وتوازن الطبيعة وتصحّر الخصيب ونحيب القطب المتجمد، والكورونا ابنة انفلاونزا الطير وكلفة زمزمة الماء، وعنوانات مقززة منفّرة مروّعة شائنة تتهاطل فوق مائدتك القفر، من شاشة أنباء المساء. تورطتُ قبل ساعة بمشاهدة شريطٍ قاسٍ يوثّقُ واقعةَ ذبح وسلخ خروف ضخمٍ مهيب. شبعتُ قهراً عند أوّل الفيلم، لكنّ الحال كان يتغيّر بعد انفناء كل دقيقة ضاجّة من دقائق المذبحة.

شعرتُ ببهجة قوية على منظر نصب المنقل وإشعال النار وتحمير وتسميق أسياخ الكباب والتكة الطيبة، ومن فرط الشهية، كدتُ أشمُّ عطرة الشواء وهي تنبعثُ كما رحمة من بطن الشاشة. زاد منسوب الأمل المطشوش اللحظة على مسائي عندما استرجعتُ حديث البدويّ القويّ عن فوائد الذبح والسلخ، التي منها جاكيت محترم وعباءة صوف نادرة مغزولة على منوال الصبر، وقندرة أصلية ومسمدة بعرور، وشكوة بطن الخروف المغدور التي ستتحول تالياً إلى مخضّة عجيبة تخضّها الأمُّ فتنتجُ لبناً وزبداً ودهناً طيّباً فيه لذة وعافية للشاربين.

بقيَ من الكبش رأسه النبيل وقرناه المعقوفتان، وهذا سيعلّق لاحقاً فوق باب الدار، دفعاً للبلاء وإطفاءً للعيون المالحة، وهذه التعليقة لها أخت بالمعنى النابت إذا كان الرأس الشريف رأس غزالٍ أهيَف. سأحرنُ قليلاً عند رأس الخروف وأزيد أنّ سكنة بلاد ما بين القهرين وما حولها، تصنعُ منه والأرجل والمقادم والمصران والكرشة، أكلة ً قوية مغذية اسمها باجة بتعجيم الجيم، وهذه المثرودة المنقوعة الملحّمة، يقبلُ على قدورها الفائرة، سوَقَة صباح الرزق والعافية لتعينهم على حمل الطابوق ولَيّ الحديد.

وأيضاً عندك من المفترسة أكيلة الكوارع، السكارى الذين يشفطون أواخر الكؤوس، فتأتي بهم أرجلهم وما تيسّر من مركوب، صوب قدْر الباجة الذي يخرج من حلقهِ بخارٌ يكفي لسحل سبع مقطورات، وهؤلاء ينقضّون على صحونهم بنهمٍ عظيم، حتى يكاد واحدهم لا يفرّق إن كانت خمستهُ والراحة قد طمست في ماعونه أم في مثرود صاحبه.

ثمَّ عندك كعب الخروف الذي جمعهُ الساري كعاب، وهذه ستصير واحدة من أحلى لعب الطفولة البائدة، حيث لعبة الكعاب والطنّب والكحيل والطاي والصاي، والصول الذي هو أجمل وأثقل وأقوى الكعاب إذ يُثقب من جهة البطن ويُصبُّ فيه الرصاص، وحيث يتلاعب به الفتى الخبرة ويؤرجحهُ بين الإبهام والسبّابة، ساعتها لا رادَّ أبداً لضربتهِ الضاربة.

ولقد ذهبَ هذا الصول مذهبَ مثالٍ وقياس شائع فصار يطلق على الكائن المنحوس المتعوس الأثول الذي خسر تجارته وشغلته وغرقت مراكبه بالبح، لأنه لم يتدبّر ويتحسّب، بأنه رجلٌ أضاع صول كعابهِ، ولم أسمع من طول جلوسي في الحانات وفي المانات وفي المقاهي، أنَّ امرأة ثولاء قد ضيّعتْ صول كعابها العزيز.

الآن بمقدوري الإنصات إلى صوت شديد الوضوح يكاد يترسُ أذني والصيوان الكبير: عربْ وين، علّوكي وين!

24