من لا يحترم الموت لن يحترم الحياة

الثلاثاء 2015/11/17

كثيرا ما ارتبطت فكرتا الولادة والموت ببعضهما وخلقت كل منهما طقوسها الخاصة عند كل القبائل والشعوب على مرّ التاريخ. وقد تحدث الشاعر المكسيكي الحائز على جائزة نوبل للآداب سنة 1990 أوكتافيو باث كثيرا عن الموت باعتباره محركا مقدسا للحياة، فالموت الفردي في المكسيك القديمة كان يمثل الضدّ المكمّل للحياة نفسها، ضمن دورة كونية واحدة. لكن الفرد تحوّل اليوم إلى مستهلك يركز جام جهده الفكري والنفسي على الحاضر الآني فحسب، وعزله عن سيرورة الزمن جعلنا إزاء عصر إفراغ أكثر الأحداث قداسة ألا وهما الموت والحياة من معنييهما.

تتميز الشعوب العربية اليوم بأنها شعوب استهلاكية بامتياز، لا ترابط في نسيجها بين الفرد والجماعة. ولكن من ناحية أخرى لو أردنا تتبع وقع أهم حدثين كما أسلفنا، ألا وهما الولادة والموت، على الفرد العربي الاستهلاكي بدوره، يمكننا فهم الضبابية والاضطراب الكبيرين اللذين بات يعيش فيهما العربي اليوم.

توفي مؤخرا الشاعر العراقي عبدالرزاق عبدالواحد، ولكن حدثا كهذا أثار زوبعة آراء وانفعالات غريبة جدا، صحيح أن الشاعر عرف بولائه للنظام العراقي السابق، وقد تُناقش شعريته وفق ذائقة كل متلق على حدة، لكن ما لا يعقل مطلقا هي آراء بعض المثقفين والكتاب العرب والعراقيين، الذين لم يحترموا حدث الموت، بل صبوا جام عنفهم الأسود على رجل مفارق للحياة.

حدث آخر هزّ تونس هذه الأيام يتمثل في قتل إرهابيين لراع، وهو طفل يبلغ عمره 16 سنة، بطريقة في غاية البشاعة، ولا ذنب له غير أنه دافع عن شياهه فقطعوا رأسه، وفي نفس اليوم وقعت أحداث باريس المأساوية التي راح ضحيتها نحو 130 شخصا لا ذنب لهم سوى أنهم يمارسون حياتهم الطبيعية. لكن المثير للريبة هنا هو آراء بعض التونسيين والعرب؛ الموت واحد لكن الآراء اختلفت حوله بشكل مفزع فعلا، مقارنين ومفاضلين بين الراعي البريء والضحايا الفرنسيين الأبرياء بدورهم، رغم أنهم ضحية لعنف أسود واحد لا ذنب لهم سوى أنهم كانوا أحياء، حتى أن هناك من تشفى في هذا البريء أو أولئك الأبرياء، وهناك من راقته السخرية من هذا أو أولئك.

ردات الفعل هذه تجعلنا نتأكد أن بعض العرب عنصريون حتى في الموت، الموت الذي أصبح أكثر سهولة من طرفة عين، الموت الذي بات اعتباطيا ابنا للعنف الخارج عن دائرة الحياة، حتى أن بعضهم اليوم لم يعد يرى في الموت مكملا للحياة، بل هو ضرورة لحدث عنف. وهنا يمكننا أن نفهم أن الموت لم يعد نتيجة زمنية بل نتيجة عنف، والعنف بدوره ردة فعل اعتباطية جدا وسهلة، من خلالها تكون الذات مكشوفة بكل تاريخها وخفاياها، ولو تتبعنا ما يكتبه أغلب العرب من آراء في مواقع التواصل الاجتماعي أو ما يؤتونه من أفعال في الشارع يمكننا أن نفهم الخفايا المختبئة في زوايا أغلب الذوات العربية.

باتت العنصرية من ميزات أغلب الأفراد العرب اليوم وأغلب الجماعات التي تنضوي في ظلها، ولا يمكن ربطها بالوضع الثقافي أو الاقتصادي أو الاجتماعي لهذا الفرد، حيث يمكننا أن نرى أفرادا مثقفين أو كتابا أو مبدعين، وهناك كذلك أفراد من طبقات اجتماعية مترفهة، لكنهم يصدّرون عنفهم، العنف في الألفاظ والسلوك وحتى النظرة، العنف في الشوارع، في مراكز التسوّق، في الطرق السيارة، تحت الملابس، صار العنف اليوم في كل تفصيل من تفاصيل الفرد العربي. لذلك فالعنف الذي تلتحف به العنصرية والكراهية هو ابن لتاريخ الفرد العربي من ناحية، كما أنه وليد غياب معنى كبير، وأزمة هوية واضطراب ذات من نفسها في مرآة الزمن، وتيهها في حركة الزمن إلى الأمام.

كان أوكتافيو باث يردد أن الموت المكسيكي هو مرآة الفرد المكسيكي، ويمكننا الاستدلال على ذلك بأننا اليوم عدنا نبحث في عادات الشعوب القديمة وملامح حياتها من خلال فحص حدث الموت ماديا وفكريا عندها، ولذلك نقرّ أن الموت مرآة للحياة، ومن لا يحترم الموت لن يحترم الحياة، ولهذا فالشعوب العربية اليوم هي الأكثر مدعاة للتفلسف كما يقول الفيلسوف التونسي فتحي المسكيني. ولا يمكن التفكير في المسألة من باب جلد الذات أو تقريعها، بل يجب الوقوف بشكل جديّ لتحليل هذه الذات ومحاولة مراعاتها بجدية، وتخليصها من براثن الدكتاتوريات وتحريرها من قيودها حتى تلك الداخلية منها، في مصالحة لها مع تاريخها وزمنها الراهن، حتى تتحول من ذات مستهلكة إلى ذات منتجة لهويتها.

شاعر من تونس

14