من لم يحترم اتفاق إدلب.. تركيا أم روسيا؟

القدرة التركية على التحكم في مجريات الأمور بسوريا وتوجيهها على الأرض باتت محدودة.
الخميس 2020/02/27
تعزيزات تركية إلى إدلب لم تغير شيئا

تسببت المعارك في محافظة إدلب السورية في تأزم العلاقات بين تركيا وروسيا اللتين تدعمان أطرافا متقاتلة في الصراع السوري، لكنهما تعملان أيضا على احتواء موجة العنف الأخيرة بعد تبادل الاتهامات بشان خرق اتفاق وقف التصعيد في إدلب. فموسكو تحمّل أنقرة مسؤولية الأوضاع في إدلب وعدم احترام الاتفاقات المبرمة في وقت يتعزز فيه هذا الاتهام مع انفراط عقد الجماعات المسلحة المدعومة من تركيا، والتي باتت أنقرة عاجزة عن ضبطها وتقييد تحركاتها بما يضمن حسن تطبيق الاتفاق.

دمشق - مع تصاعد التوتر بين تركيا وروسيا بشأن الوضع في مدينة إدلب السورية، يُحمّل كل طرف منهما الطرف الآخرَ مسؤولية انهيار اتفاقات وقف التصعيد، التي كانت من المفترض أن تحول دون نشوب صراع مدمّر في تلك المنطقة.

ورداً على الاتهامات الروسية لتركيا بعدم الالتزام بالاتفاقات، تصرّ أنقرة على أنها تفي بكل ما يلزم إنشاء منطقة عدم تصعيد في إدلب من متطلبات، وفقاً لما تم الاتفاق عليه في إطار عملية أستانة، وإنفاذ ما اتُّفق عليه.

وكان الهدف الظاهري لاتفاق عدم التصعيد هو تحقيق الاستقرار في المدينة وتجنّب نشوب حرب بين النظام السوري وهيئة تحرير الشام المسلحة المدعومة من تركيا التي تهيمن على إدلب.

وتوصّلت روسيا وتركيا أيضاً إلى اتفاق إضافي لوقف إطلاق النار في سبتمبر 2018، تحملّت أنقرة بموجبه المسؤولية الكاملة عن احتواء هيئة تحرير الشام وإنشاء منطقة عازلة في المنطقة.

وتخشى أنقرة من أن تتسبب موجة نزوح جماعي، نتيجة لهجوم يشنه النظام على إدلب، في تدفق مليون لاجئ جديد على تركيا. ووفقاً للأمم المتحدة، فقد نزح ما لا يقل عن 900 ألف سوري منذ أن بدأ الهجوم الذي يشنه النظام المدعوم من روسيا منذ ديسمبر الماضي.

وتحذّر تركيا من أنها سترد على النظام السوري بالقوة العسكرية إذا لم يتوقف الهجوم في موعد أقصاه نهاية فبراير الحالي. وتؤكد أنقرة هذا التهديد بنشر تعزيزات من قوات مدعومة بأسلحة ثقيلة.

تركيا تخرق الاتفاق

جوشوا لانديس: تركيا لم تف التزاماتها التي تعهّدت بها أستانة
جوشوا لانديس: تركيا لم تف التزاماتها التي تعهّدت بها أستانة

وأوضح محللون كيف أن تركيا وروسيا لم تلتزما بما اتفقتا عليه بشأن إدلب. وقال البروفيسور جوشوا لانديس، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما إن “تركيا لم تف بالتزاماتها التي تعهّدت بها في اتفاق أستانة”.

وأشار إلى أنه في إطار اتفاق سبتمبر 2018، كان من المفترض أن تسهّل تركيا إعادة فتح الطرق السريعة الرئيسة في إدلب وترتّب انسحاب هيئة تحرير الشام وأسلحتها الثقيلة من المنطقة منزوعة السلاح المزمعة.

وقال لانديس إن الأمر لم يقتصر على عدم الالتزام بهذا البند، وإنما استمرت هذه المجموعة في “إطلاق النيران على أحياء حلب والقوات السورية من تلك المنطقة”.

وفي يناير 2019، تمكّنت هيئة تحرير الشام من كسب أرض في أنحاء إدلب، معززة بذلك هيمنتها على المدينة ذات الأهمية الاستراتيجية، عندما تخلى مسلحون مدعومون من تركيا عن أراض لهم بعد ما يزيد قليلا على الأسبوع من القتال.

وبالتالي، فإن الفشل التركي لم يقتصر على عدم القدرة على احتواء هيئة تحرير الشام، وإنما الفشل حتى في منع المجموعة من التوسع والتمدد.

لكن ليست تركيا الطرف الوحيد الذي يتحمل مسؤولية اندلاع الأزمة في إدلب، إذ قال آرون لوند (ذا سنتشري فاونديشن) “من الواضح أن الجانبين لا يلتزمان بروح خطاب الاتفاق”.

ويشير “دعمت روسيا الهجمات التي تشنها الحكومة السورية، والتي أدت إلى الاستيلاء على جزء كبير من منطقة عدم التصعيد المفترضة في إدلب، فضلاً عن أنها استولت قبل ذلك على مناطق عدم تصعيد أخرى كانا قد اتفقا عليها، ليس هذا بالنهج الذي يمكن أن يؤدي إلى نجاح وقف إطلاق النار”.

ويرى لوند أنه من الصعب تحديد الطرف الذي يتحمل الجزء الأكبر من الخطأ، نظراً لأنه قد تكون هناك اتفاقات إضافية غير معلنة بين أنقرة وموسكو “لأننا لا نعرف محتوى المفاوضات ونبرتها التي أوصلت الأمور إلى هذا المنعطف”.

ويتشكك لوند أيضاً في أن تكون هناك أيّ إجابة موضوعية لمن يتساءل عن الطرف الذي يتحمل الجزء الأكبر من الخطأ، لأن الأمر لا يتعلق بقوتين تلتزمان باتفاقاتهما بإخلاص. فالأمر يتعلق بقوتين تستغلّان اتفاقهما المكتوب بنيّة سيئة “لتعزيز مصالحهما في صراع يتعلق بالقوة العسكرية والسياسية أكثر مما يتعلق بتأويلات اتفاق ما”.

وأضاف أن الاتفاق يتعرض لسلسلة من الانتهاكات والمخالفات منذ أن كُتب، حيث كانت روسيا وتركيا تجدان دائما سبُلا “للالتفاف على هذا عندما تكون لديهما الرغبة في ذلك لكنهما لا تريدان ذلك بعد الآن”.

مسؤولية مشتركة

Thumbnail

ويرى المحلل ديميتار بيشيف أيضاً أن كلا الجانبين لم يلتزم بوعوده. فيقول “فشلت تركيا إلى حد كبير في نزع سلاح هيئة تحرير الشام، التي نجحت في كسب أرضية أكبر منذ الاتفاق الأصلي بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس التركي رجب طيّب أردوغان”.

على الجانب الآخر، جعلت روسيا مبدأ عدم التصعيد “مثاراً للسخرية وبقولها إن الاتفاق لا يشمل هيئة تحرير الشام، أخذت تستهدف الجميع في المنطقة دون تمييز بما في ذلك فصائل الجيش السوري الحر المدعوم من تركيا، والأهم من ذلك المدنيين”.

ويضيف بيشيف “مختصر القول إن المسؤولية مشتركة. لكن الأسد والروس هم في النهاية من تسببوا في الأزمة (التي توقّعها الكثيرون منذ البداية)”.

ويشير كايل أورتون، وهو محلل مستقل متخصص في شؤون الشرق الأوسط، أيضاً إلى أن كلا الطرفين لم يلتزما بتعهداتهما. لكنه أضاف أن تركيا “لم يكن لها أبداً أن تفعل” لأن هيئة تحرير الشام استفحلت وتمكنت في إدلب بشكل أكبر من أن يسمح لتركيا باجتثاثها.

ويؤكد أورتون أن هذا كان مخططاً له، مشيراً إلى أن روسيا وإيران أبرمتا هذا الاتفاق مع تركيا من أجل تهدئة جبهة إدلب، بينما كانتا تقضيان على منطقتي عدم التصعيد الأخريين”. وهاتان المنطقتان هما درعا والغوطة الشرقية، اللتان عاود نظام الأسد الاستيلاء عليهما في عام 2018.

ويضيف أن “هذا التحرك الدبلوماسي حال دون احتجاج تركيا بشأن درعا، والغوطة الشرقية وبقية المناطق”، مشيرا إلى أن “الأسد كان يعرف أنه يستطيع أن يترك إدلب للنهاية، لأنهم كانت لديهم ذريعة وجود هيئة تحرير الشام لتنفيذ هجوم، وهي ذريعة ممهورة بختم تركيا”.

ويؤكد المتخصص في شؤون الشرق الأوسط إلى أن الوضع الحالي لم يكن هناك مفر منه، لأن نظام الأسد وداعميه الروس والإيرانيين مصرّون على استعادة السيطرة على سوريا بالكامل، بينما قدرة تركيا على التحكم في مجريات الأمور وتوجيهها على الأرض باتت محدودة.

7