من له الحق في ملكية جلال الدين الرومي

من له الحق في ملكية جلال الدين الرومي، الشاعر الصوفي الذي يعد واحدا من أشهر الشعراء في العالم؟ سؤال يتردّد صداه منذ شهر مايو الماضي، حين تقدمت أنقرة وطهران بطلب لليونسكو لتسجيل ديوان المثنوي الذي يعد أحد أشهر أعمال جلال الدين الرومي، ضمن تراثهما الثقافي المشترك، في خطوة أغضبت أفغانستان، البلد الذي ولد فيه الرومي، قبل ثمانية قرون.
الأربعاء 2016/07/13
جلال الدين الرومي يعيد الحياة إلى بلخ

كابول - أزمة جديدة تشق طريقها بين إيران وتركيا وأفغانستان بطلها هذه المرة الفيلسوف والشاعر المتصوف جلال الدين الرومي وكتابه الشهير المثنوي. وأصل الخلاف قيام كل من أنقرة وطهران بتصنيف ديوان المنثوي ضمن تراثها الثقافي المشترك بناء على طلب من برنامج “ذاكرة العالم” التابع للأمم المتحدة، الأمر الذي أثار حفيظة كابول، التي ترى أنها الأحق بهذا “الشرف” باعتبار أن محمد بن محمد بن حسين بهاء الدين البلخي المعروف باسم مولانا جلال الدين الرومي ولد في بلخ في أفغانستان.

واعترضت الحكومة الأفغانية على تسجيل أنقرة وطهران لديوان المثنوي ضمن تراثهما الثقافي المشترك على قائمة اليونسكو للتراث العالمي. وأكدت وزارة الإعلام والثقافة الأفغانية أن جلال الدين الرومي ولد في أفغانستان منذ أكثر من ثمانية قرون، فيما قال هارون حكيمي، المتحدث باسم الوزارة “اليونسكو لم تسألنا”.

واعترف بأن كابول غاضبة من هذا التجاهل، لكنه يأمل في أن تتمكن الجهات الأفغانية من إقناع المنظمة الدولية بأن أفغانستان لها الحق في المطالبة بموروث “مولانا جلال الدين البلخي، الذي نتعلم قصائده منذ صفوف المدارس الابتدائية”. وعكس هذا الغضب عدد من الشعراء والكتاب والمسؤولين الأفغان، الذين تمسكوا بأحقيتهم في “الفخر بمآثر جلال الدين الرومي”.

وأفاد صالح محمد خليق، وهو مدير القسم الثقافي في محافظة بلخ، بأن تلبية طلب سجل “ذاكرة العالم” دون ذكر أفغانستان لن يكون أمرا مقبولا، موضحا “مولانا ينتمي إلى أفغانستان؛ وموقف مشابه تبنّاه الكاتب والشاعر صادق اسيان، الذي قال إن الرومي “يُعتبر جزءا هاما من ثقافة وهوية أفغانستان”. وقال إن الفصل بين الاثنين يعتبر “إهانة” لأفغانستان.

ويتفق معظم الباحثين على أن جلال الدين الرومي ولد في بلخ، في أفغانستان في عام 1207، في حين يجادل البعض الآخر بأنه ولد على الجانب الآخر من الحدود، في ما يعرف في العصر الحديث بطاجيكستان، في المنطقة المعروفة أيضا باسم بلخ. وتعتبر بلدة بلخ الأفغانية من المحافظات الأفغانية الصغيرة في الوقت الراهن، ولكنها كانت في ما مضى العاصمة الدينية ومركز الديانة البوذية والأدب الفارسي. وحين دخلها جنكيز خان في عام 1221، هرب الشاب جلال الدين الرومي وعائلته إلى بغداد. لكن لم تطل إقامته هناك فقد قام أبوه برحلة واسعة وزار بلدانا عديدة، وكان جلال الدين معه، في هذه الرحلات قبل أن يستقر بهما المقام في تركيا، حيث أمضى معظم حياته هناك، وتوفي في مدينة قونيا في عام 1273. وهناك أسس جلال الدين الرومي الطريقة المولوية. ونظَّمها بعد وفاته ابنُه الأكبر سلطان ولد، ومن سماتها وخصائصها التي عرفت بها، رقص الدراويش.

وعبر حاكم محافظة بلخ الجنرال عطا محمد نور، وهو من أمراء الحرب السابقين، وممثل أفغانستان لدى الأمم المتحدة عن احتجاجه. وقال “في حصر مولانا في تركيا وإيران فقط عدم إنصاف لشخصية عالمية تحظى بالاعتزاز والإعجاب في جميع أنحاء العالم”.

إقصاء إيران

إزاء السباق التركي الإيراني على إرث الرومي، جمعت عريضة أطلقت على الإنترنت ستة آلاف توقيع تطالب منظمة اليونسكو بالإقرار بأن أثره ينتمي إلى أفغانستان. ودعي الفنانون الأفغان ذوو الشهرة العالمية إلى المشاركة في هذه الحملة، وإعلام العالم بأن “الرومي ولد في بلخ، في أفغانستان، لا في تركيا ولا في إيران”، حسب متحدث باسم الرئاسة الأفغانية.

وفي مسعى للتهدئة، دعا الرئيس الأفغاني أشرف غني إلى أن تتفق بلاده مع تركيا على جعل الرومي “مصدر فخر مشترك”، وإقصاء إيران بالتالي من هذا الموضوع.

وكان الرئيس أشرف غني، الذي استضاف في منتصف يونيو الماضي وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، دبلوماسيا بشكل كبير، حيث أصدر بيانا قال فيه إن الرومي “فخر مشترك للبلدين”. وأضاف أنه على استعداد لتسجيل أعمال الرومي “كتراث مشترك بين تركيا وأفغانستان”. ولم يشر البتة إلى إيران.

طلب التسجيل يشمل بشكل خاص كتاب المثنوي المؤلف من 25 ألفا و600 بيت من الشعر الصوفي

وهناك أدلة على هذا الجدل والتجاذب تظهر في كتابات الرومي الذي تركت أشعاره ومؤلفاته الصوفية والتي كتبت بلغته الأم الفارسية تأثيرا واسعا في العالم الإسلامي. وفي العصر الحديث ترجمت بعض أعماله إلى الكثير من لغات العالم ولقيت صدى واسعا جدا إذ وصفته تقارير عديدة بأنه أكثر الشعراء شعبية في الولايات المتحدة.

وقد كانت هذه الشعبية وراء إعلان كاتب السيناريو دايفد فرانزوني والمنتج ستيفن جويل براون أنهما يعكفان على إعداد فيلم يتناول قصة جلال الدين الرومي. وقد رشح لبطولة الفيلم الممثل الأميركي ليوناردو دي كابريو. وأوضح فرانزوني، الذي شارك في كتابة أفلام شهيرة مثل غلاديتور والملك آرثر، أن الفيلم يهدف إلى تغيير الصورة النمطية عن المسلمين في السينما الغربية مشبها الرومي بشكسبير، مؤكدا على أهمية اكتشاف مثل هذه الشخصيات الثرية، حسب تعبيره.

دي كابريو في جلباب الرومي

بمجرد انتشار الأنباء بشأن الفيلم، انتقد بعض المستخدمين اختيار القائمين عليه ممثلا أبيض البشرة للعب الدور، مؤكدين أن الرومي لم يكن كذلك. وورد في أحد التدوينات “من السهل جدا على هوليوود العثور على مسلمين للعب دور الإرهابيين، لكنهم لا يستطيعون إيجاد مسلم كجلال الدين الرومي”. وقالت تدوينة أخرى “أتذكر عندما كان إدريس إلبا غير متمكن بما فيه الكفاية من اللغة الإنكليزية للعب دور جيمس بوند، لكن يبدو الأمر غاية في الغرابة إذا لعب ليو دي كابريو دور جلال الدين الرومي”.

وسجل الإيرانيون أكثر من غيرهم غضبا حول الفيلم عموما، حيث قال الصحافي والناقد السينمائي الإيراني، رضا صديق، لموقع “المونيتور” الأميركي إنه يعتقد أن منتجي هوليوود غير قادرين على فهم العلاقة الحقيقية بين الرومي وشمس التبريزي، المتصوّف الفارسي الذي حوّل حياته وأصبح مصدر الإلهام خلف مجموعة القصائد الملحمية التي كتبها الرومي.

وأضاف “ربما كانت شخصية على غرار الشاعر الفارسي في القرون الوسطى عمر الخيام أكثر إثارة للاهتمام بالنسبة إلى هوليوود، نظرا إلى أن قصائده وأسلوبه أقرب إلى الأزمنة الحديثة. على سبيل المثال، قال الخيام ’كن سعيدا في هذه اللحظة، فهي حياتك‘. والسؤال عن الأسباب خلف اهتمام هوليوود بمولانا يقود إلى مجموعة من الأسئلة: هل يفهم المنتجون الغربيون التصوّف الشرقي؟ ماذا يعرفون عن مثنوي، وهل يمكنهم بلوغ الفهم الضروري لهذه الأمور؟ لسوء الحظ، الجواب هو كلا”.

ويرى الناقد السينمائي والكاتب الإيراني أحمد طالبي نجاد أن الاعتراض سياسي الطابع، مضيفا “نحن الإيرانيين نعتبر أن مولانا ملك لنا، والأفغانيون يعتبرونه ملكا لهم. لكن تركيا هي التي استحوذت عليه في الواقع. افتقارنا إلى المناورة السياسية هو الذي أدّى إلى تسجيل مولانا كملكية تركية. أخشى أن يحدث الشيء نفسه في المستقبل مع الشاعرَين الخيام والشيرازي”.

ويؤيد صديق موقف نجاد مشيرا إلى أنه لا يمكن النظر إلى مشاركة تركيا في المشروع باعتبارها مسألة ثقافية، “فمن الواضح أنها مسألة سياسية. سوف تحقق هوليوود والحكومة التركية أهدافهما. وفي خضم هذا كله، ستتم الإساءة إلى مولانا وشمس، وإلى تاريخ التصوّف في الشرق، من دون أن تكون لذلك أي أهمية بالنسبة إلى طرفَيْ المعادلة”.

ومع ذلك، وبغض النظر عمن سيقوم بدور جلال الدين الرومي والجدل حول الفيلم، يرى صالح محمد خليق، وهو مدير القسم الثقافي في محافظة بلخ، أن الفيلم فرصة جيدة. وقال “نريد أن تصبح بلخ، مسقط رأس مولانا جلال الدين، وحيث لا تزال آثار منزله قائمة، مزارا سياحيا حيث يمكن للسياح أن يأتوا لزيارته”؛ وفي هذا نقطة لصالح أفغانستان في قضية نسب ثرات جلال الدين الرومي لها.

12