من لي بالمتوكل

الثلاثاء 2017/05/30

عندي مشكلة أريد أن أحكيها. أعلم أن الشكوى لغير الله مذلّة، وأعلم أن آخر ما يريده القارئ هو النكد من الصباح، ولكن ما العمل؟

مشكلتي أني أستخدم الكلمات بمعانيها. أذكر مرة أن استخدامي لكلمة "موتور" بمعناها الصحيح تسبب في انزعاج شديد حقا لضيف قريب مقيم في بيتي. ضيفي من أتباع قائد سياسي وديني في عراق قبل الغزو الأميركي. هذا القائد فقد أعضاء من أسرته قتلا، والسلطة متهمة بقتلهم. قلت عن ذلك الزعيم إنه موتور ومعناها أنه طالب ثأر لم يدرك ثأره بعد. السلطة وترته وهو موتور. وما أن قلت "موتور" حتى غضب ضيفي وراح يقرعني على شتيمة الزعيم السياسي حتى الثانية صباحا.

حاولت طيلة الوقت أن أشرح لكن ضيفي العزيز كان غاضبا لا يسمح بالشرح. “موتور” عنده شتيمة وانتقاص ولا مراء في ذلك ولا شرح. وهكذا صرت أتفادى إلى اليوم استخدام كلمة "موتور" فلي معها ذكرى سيئة. صرت لا أقولها، اللهم إلّا حين أغني "لاركب حدك يا الموتور" لفهد بلّان.

وفي مناسبة أخرى سألني مسؤول إعلامي عن رأيي في أحد الزعماء السياسيين التاريخيين فقلت إنه فاشي. كان المسؤول صاحب السؤال من أتباع فكر ذلك المفكر والقائد. فاستشاط غضبا وكأنني قلت إن ذلك المفكر قاتل أو نذل على الأقل. رحت مرة أخرى أشرح وأوضح أن الفاشية مذهب وفكر كان له شيوع كبير أيام ذلك القائد في العشرينات وأن الكلمة ليست شتيمة. هي وصف لمنهج به رومانسية وحنين إلى ماض مجده تليد ومحاولة بلوغه بعسكرة المجتمع وجعل المواطنة انخراطا في مؤسسة قتالية إلى آخر أوصاف إيطاليا الفاشية.

كلمة "الاستعمار" صارت شتيمة لدى المنادين بـ"الاستقلال التام أو الموت الزؤام". وروى لي صديق أنه كان عازما على السفر، للمرة الأولى، إلى بريطانيا منذ عقود. فقال لأمه "الأسبوع القادم سأكون في أرض الاستعمار البريطاني". فهلعت أمه وقالت متوسلة “أرجو ألا يفلت لسانك وتقول عن الإنكليز إنهم استعمار وأنت في بلادهم. الله يعلم ماذا سيصنعون بك”. حاول صاحبي عبثا أن يفهمها أن في بريطانيا، في أيامها، وزارة اسمها وزارة المستعمرات والاستعمار عندهم ليس شتيمة.

علاقة الخليفة المتوكل بالعنوان هي أن شاعرا بدويا خشن الملبس واللفظ ملازما للبدية ورد إلى بغداد ومدح الخليفة بأبيات جاء فيها: أنت كالكلب في حفاظك للود.

بهت الحاضرون من نعت الخليفة بالكلب، لكن الخليفة لم يغضب بل فهم جمال المقصد وخشونة اللفظ فابتسم. فهذا الشاعر رجل لم تفسد تطورات الاستخدام في بغداد فهمه لصفة الكلب. من لي بمستمع مثل المتوكل.

24