من ماغديبورغ إلى الموصل: العراق وسوريا وحرب الأعوام الثلاثين

السبت 2014/07/12

كانت المقولة المفترضة لمارك تواين “التاريخ لا يعيد نفسه لكنه يسير على نفس القافية” في ذهني وأنا أتابع الأحداث الأخيرة في العراق. وما يجري في الموصل وتكريت وتل عفار، وصور أسرى ذبحهم مقاتلو داعش والدعوة المحمومة لحمل السلاح من المليشيات المحلية في بغداد – كل هذا – يشكل صورة مناقضة للاستيلاء على كركوك الهادئة تقريبا وتوسع الحكومة الإقليمية الكردستانية. وإذا أصغينا بانتباه يمكننا سماع الفكرة المتكررة الضمنية لتركيا وإيران وغيرهما.

سمفونية الموت هذه لا تشترك في نفس القافية مع حرب الفيتنام، بل مع صراع أقدم وأظلم وأكثر خلافية، صراع شهد كيف دمر التلاعب الساخر بالعنف الطائفي أوروبا الوسطى وتسبب في إفلاس القوى التي مولت ذلك العنف وساندته. إني أتحدث عن حرب الأعوام الثلاثين (1618 -1648) التي تشكل نهايتها المتمثلة في ‘صلح واستفاليا’ أساس النظام المعاصر للدولة الأمة.

تعود جذور كلا الصراعين إلى أكثر من قرن إلى الوراء وتتمحور حول مسائل غير محسومة تتعلق بالحرية الدينية، والهوية الشخصية والجماعية، وسياسة القوة. تم تقديم كلا الصراعين على المستوى السطحي على أنهما ‘طائفيين’ و’دينيين’ قي حين تم في نفس الوقت التغاضي عن الحقيقة البسيطة المتمثلة في أن العائلات الموسعة تحتوي على أفراد في كل من هذه ‘الطوائف’. وفي كلا الصراعين تقوم كل من العقيدة والدعاية الدينيتين المتطرفتين بدعم النزعة الآلية لتجريد الخصم من انسانيته.

هناك قافيتان ذات صلة وثيقة تجمع بين حرب الأعوام الثلاثين والصراع الحالي الذي يجري في العراق وسوريا. الأولى تتمثل في نشوء واستعمال العقيدة الدينية المتطرفة والدعاية التي تجرد الآخرين من الصفة الانسانية كأداة مساعدة على التطهير العرقي والديني، أما الثانية فتتعلق بالردود على استعمالهما الأكثر رجاحة.

إن استخدام الدعاية (المرئية، أو الموسيقية أو الشعرية، الخ) من أجل تجريد الخصم من انسانيته ولو جزئيا ليست بالتأكيد أمرا جديدا، بل هو في الحقيقة شيء ضروري حتى يتغلب الناس على موانع قتل الآخرين، باستثناء حالة الدفاع المباشر عن النفس . بيد أن عملية التجريد الجزئي للآخر من انسانيته يمكن أن تنزلق (وهي في الحقيقة تفعل) إلى تجريد كامل للصفة الانسانية عندما تقترن بالعقيدة الدينية المطلقة مثلما يلاحظ في بعض الدعاية التي أطلقها تنظيم داعش في هذا الشهر.

عرّف عالم الأنثربولوجية كليفورد غيرتز الدين كالآتي: “(1) منظومة من الرموز التي تعمل على (2) ترسيخ أمزجة ودوافع قوية منتشرة وطويلة الأمد في الناس (3) من خلال صياغة المفاهيم لنظام عام للوجود (4) وإحاطة هذه المفاهيم بهالة من الواقعية بشكل يجعل (5) هذه الأمزجة والدوافع تبدو واقعية بشكل ليس له مثيل”.

ولكي تنجح عقيدة دينية معينة في تجريد الخصوم من انسانيتهم فإن “مفاهيمها لنظام عام للوجود” يتطلب عدة نقاط. أولا يجب أن تكون هذه المفاهيم إقصائية، فإما أن تكون أو لا تكون من بين “المصطفين”. ثانيا، نقاء فعل القتل لغير المؤمنين يجب أن يلغي أي ذنب أقترف أثناء عملية القتل تلك. وثالثا، يجب أن يصبح فعل القتل لغير المؤمنين أمرا “طبيعيا”.

وتظهر عملية ‘تطبيع′ فعل القتل جلية في الرسالة الصوتية التي بعثها الناطق عن داعش أبو محمد العدناني في الحادي عشر من يونيو حيث يقول: “الروافض (أي الشيعة) هم أمة مهزومة، ومعاذ الله أن يمنحهم النصر عليكم. إنهم مشركون وعبدة الحيوانات والأشخاص”.

باستعمال كلمة ‘روافض’ (أي أولائك الذين يرفضون) هناك إحالة إلى الانشقاق بين السنة والشيعة الذي حصل في القرن السابع الميلادي. أما التهمة الأساسية فهي “مشركون”، ومن ثم هم عرضة للموت الفوري، على الأقل حسب داعش. ولا مناص من تلقي داعش لاتهامات من نفس النوع، فمثلا في لقاء جرى مؤخرا ضم شعراء شيعة في 13 من يونيو توجه أحد الشعراء مخاطبا أهل داعش يذكره بأن القدس في يد اليهود وهي “على بعد بضعة كيلومترات منهم”، فلماذا لا يحاربون اسرائيل فهل ذلك حرام ؟ ويردف قائلا “إنهم إخوتكم. فأنتم رضعتم من الردة معا”.

ظهرت على السطح اتهامات مماثلة طبعا على مدى معركة الدعاية سواء قبل حرب الأعوام الثلاثين أو بعدها. وبالفعل هناك وجه شبه كبير بين استعمال المنشورات من كل الأطراف والحملات الدعائية الحالية في وسائل الاعلام الاجتماعي واتهامات الردة المتهاطلة من كل حدب وصوب. بحلول سنة 1630 كان قتل “الطرف الآخر” أيا كان أمرا طبيعيا مثلما هو الشأن بالنسبة إلى تنقل الأفراد بين مختلف الطوائف والعقائد.

في شهر نوفمبر من سنة 1630، قام جوهان تسيركلايس، كونت تيلي، بمحاصرة مدينة ماغديبورغ، وفي 20 من مايو 1631 دخل تيلي وغوتفريد هاينريش غراف زو بابنهايم المدينة وشرعا في قتل قرابة 90 في المئة من سكانها. ودافع تيلي عن المذبحة بقوله “تعهدت بثلاثة أيام من النهب والذبح. يجب إعطاء الجنود بعض التسلية بعد تكبد الكثير من المشاق”. وفي وقت لاحق كتب بابنهايم يقول: “أعتقد أن أكثر من عشرين ألف نفس بشرية قتلت، ومن المؤكد أنه لم يحدث عقاب إلاهي أكثر رعبا منذ تدمير القدس. كل جنودنا أصبحوا أثرياء. الله معنا”.

تطبيع مشابه للقتل يظهر في أحد مقاطع الفيديو الدعائية صدرت مؤخرا عن تنظيم داعش حيث ظهر في المقطع عدة أفراد من داعش يلعبون برأس مقطوع وجرى بينهم الحوار التالي:

* لقد توفي بسبب طبيعي

* هذا الشخص مات بأسباب طبيعية بواسطة سكين … لقد قطعت رقبته.

* أسباب طبيعية … المجاهدون …. الأسباب الطبيعية للمرتد.

لكن ما تم التغافل عنه في هذا الاندفاع نحو جعل قتل الخصوم أمرا طبيعيا هو كون الحجج التي تبرر بها أعمال القتل تلك تتعرض للفحص الدقيق من طرف كل متضرر. فلا وجود لأي مجتمع بإمكانه البقاء طويلا وهو تحت سلطة معادين للمجتمع يقدمون على قتل من شاؤوا ومتى شاؤوا. وعندما تكون تلك المعاداة المرضية مدعومة من الدين يصبح جوهر ذلك الدين بنفسه محل شك، وهو ما أطلق عليه الفيلسوف غوتفريد ويلهام ليبنيز مصطلح ‘ثيوديسيا’، بعبارة أخرى لماذا يقبل إلاه “طيب” وقوع الشر.

بيد أن الاهتمام بـ’الثيوديسيا’ ليس حكرا على الفلاسفة والفقهاء، بل هي (ويجب أن تكون) محل اهتمام رجال السياسة. في حرب الأعوام الثلاثين استمد كل محارب سلطته من المفهوم المسيحي للرب (باستثناء الامبراطورية العثمانية). وفي الحروب الجارية حاليا في العراق والشام، كل محارب يستمد سلطته من الله (باستثناء الأميركيين). إذن ماذا يحدث عندما يدمر تطبيع عملية القتل الايمان الراسخ بالرب أو الله؟

بالنسبة إلى الغرب المسيحي الخارج من حرب الأعوام الثلاثين كان الجواب حتميا لا مفر منه: ثبت سلطة الرب حتى على حساب قبول أشكال متنوعة من المسيحية على أنها ‘صالحة’ بصفة فردية ومحمية قانونيا. وساعدت معاهدتا أوسنابروك ومونستر، وهما عماد صلح واستفاليا، في بناء القاعدة الدينية والسياسية للحقوق الفردية في إطار سلطة الرب الجامعة. البديل عن ذلك هو الاقتتال المستمر والتدمير الكامل لأي ايمان شعبي بالله، ومن ثم مشروعية الدول الغربية.

هذا هو التحدي الذي يواجه الآن العالم الاسلامي، فهل سيأتي بمقابل اسلامي لصلح واستفاليا، أم هل سيسمح بتحول الإسلام إلى نموذج لسيطرة القتلة المعادين للمجتمع؟ هناك عدة علماء اسلاميين الذين يدركون على ما يبدو أخطار الحرب الدينية الجامحة. دعونا نتمنى بأن يتمكن هو وغيره من عقد النسخة الإسلامية الخاصة بهم من صلح واستفاليا.


الدكتور مارك و.د. تيرال أنثروبولوجي رمزي مختص في الدراسات متعددة التخصصات في جامعة كارلتن في أوتاوا، كندا، وهو أيضا زميل باحث كبير في المركز الكندي للدراسات الاستخباراتية والأمنية. عن مدونة (War on the Rocks)

7