من محمد الدرة إلى أحمد الدرة: عندما صار الجيش اللبناني "أفرادا" في عرسال

السبت 2014/09/27

لا يمكن أن نحاسب الجيش اللبناني فهو لم يولد بعد. لا زال قيد الدرس سياسيا واجتماعيا ولوجستياً ومادياً ومعنوياً وأخلاقياً وقانونيا . قال في معرض تبريره لكل ما يقوم به بعض المنتمين إليه من ممارسات إنها ممارسات فردية. إذن وعلى قاعدة من فمك أدينك، يمكننا التأكيد على أن الجيش لم يوجد بعد. هو لازال نوعاً من تجمع لأفراد يقومون بما لا تقوم به الجيوش التي تنبني على أسس قانونية وانضباطية صارمة، لعل أبرزها استحالة الجمع بين مصطلحي الأفراد والجنود.

الأفراد يتكاثرون في الجيش اللبناني وينمون بشكل عجائبي غريب على حساب الجنود. الأفراد يخرجون عشرات اللاجئين السوريين من مخيمات البؤس في عرسال. يمعنون بهم إذلالا وتنكيلا ولا يبالون بكرامة شيخ ثمانيني بدا رأسه المجروح ونظراته الزائغة علامات لا تخطئ على دخول الجيش الذي لم يوجد بعد في زمن الأفراد.

الأفراد كانوا يغمضون عيونهم ويعطلون حواسهم أمام مشهد مرور العشرات والمئات من مقاتلي حزب الله بكامل عتادهم العسكري إلى سوريا للمشاركة في ذبح الشعب السوري.

الجنود كانوا يعضون على خشب بنادقهم من القهر، ولكنهم كما هو حال الجنود في كل مكان يعلمون أن لا مكان لفرديتهم. ينفذون ويصمتون من أجل الفكرة الكبيرة الجامعة التي تدعى الجيش. لكن ما عساهم يفعلون الآن حين يعلمون أن هذا الجيش لم يولد بعد؟

اليوم وعلى إثر سلوكات هؤلاء الأفراد اتصل قيادي من جبهة النصرة بجريدة الأخبار اللبنانية الممانعاتية، وأخبرها عن نية الجبهة إعدام الجنود اللبنانيين الاسرى لديها قائلاً “لقد ألبسناهم ثياب الموت، فدولتهم قتلتهم، لاتفاوض بعد الذي حصل في عرسال”.

هل يدعم هؤلاء الأفراد خطاب السيد حسن نصر الله الأخير الذي دعا فيه إلى التفاوض من موضع القوة؟ هل يترجمون فكرة القوة بطريقة تتمثل وفق معلومات ذكرها شهود عيان من عرسال في أن الأفراد الخارجين عن الضبط قاموا بإحراق 150 خيمة من خيام اللاجئين في مخيم السنابل بالكامل، واعتقال حوالي 450 لاجئا كان بينهم رجال طاعنون في السن، واقتيادهم جميعا إلى مدجنة في منطقة اللبوة (ذات الغالبية الشيعية) وسكب المازوت على أجسادهم، وتهديدهم بالحرق، والقضاء على ثلاثة منهم تحت التعذيب، وإهانة النساء وترويع الأطفال. يروى كذلك أن هؤلاء الأفراد سلموا جثة أحمد الدرة الذي قضى تحت التعذيب وهو كان قد اعتقل قبل أيام إثر حادث تفجير سيارة عسكرية.

روي كذلك أن هؤلاء “الأفراد” قاموا بتصفية كل من كرم عبدالكريم الزين ومحمود زهرة من منطقة القلمون، وذلك بالتزامن مع أخبار تفيد عن سقوط عدد كبير من القتلى لحزب الله في منطقة القلمون إثر سقوط عسال الورد بيد الفصائل المعارضة للنظام، فهل ينتقم هؤلاء الأفراد لقتلى حزب الله بتصفية اللاجئين من أبناء القلمون في لبنان؟

هل كان هؤلاء أفرادا أم جنودا في أحداث مار مخايل التي رد فيها الجيش على اعتداءات جمهور الممانعة، فاحتج السيد على التجاوزات، فكان أن أوقف الجيش ضباطه وعاقبهم في فترة لا تتجاوز الـ24 ساعة؟

يبدو أن “الأفراد” يريدون اغتيال الجنود والقضاء عليهم، لأن ممارساتهم انفجرت دفعة واحدة ضد أهل عرسال، وضد اللاجئين، في اللحظة التي أعلن فيها خاطفو الجنود عن مطالبهم التي تستثني موضوع مشاركة حزب الله في استباحة دماء السوريين، وتطلب فك الحصار عن عرسال، وكف الأذى عن اللاجئين السوريين. تأتي ممارسات الأفراد لتقضي على المسار التفاوضي وتستكمل مسار إهدار دم الجنود.

يدفع حزب الله بصهر الجنرال عون العميد شامل روكز قائد فوج المغاوير إلى المعركة في عرسال، بعد أن رفض قائد الجيش العماد ميشال قهوجي هذه المهمة، فهل هناك توزيع أدوار؟ وهل مشهد اللقاء الذي جمع بين قائد الجيش والمفتي الجديد المنتخب عبداللطيف دريان، في اللحظة نفسها التي كان فيها “الأفراد” يستكملون بسلوكهم الميليشياوي الإجهاز على هيبة الدولة، التي وقفت حتى الآن حائلا دون تحقيق عملية مقايضة مع خاطفي الجنود تسمح بإطلاق سراحهم، هو جزء من سياق توزيع أدوار على حساب اللاجئين والبيئة الحاضنة لهم؟

هل يسعى هؤلاء “الأفراد” إلى مد جسر ذهبي يعبر عليه الأسد إلى نادي الحرب على الإرهاب، عبر صناعة إرهاب ليس موجودا بعد، ولكن خلقه ممكن. خطة استيلاد الإرهاب تقوم على ممارسة أعمال عنف وتنكيل وتعذيب وإذلال بحق اللاجئين السوريين والبيئة الحاضنة لهم، تترافق مع إهمال الدولة وتقاعس المنظمات الحقوقية والإنسانية، ما يستدعي، تاليا، ردة فعل غاضبة ويائسة تتمثل في بضعة سوريين ولبنانيين يرفعون علم داعش. تؤخذ هذه اللقطة معزولة عن كامل السياق الذي أنتجها، ويتم عرضها على العالم بوصفها حجة لا تدحض على داعشية اللاجئين السوريين والبيئة الحاضنة لهم، وخاصة عرسال. لكن بما أن التحالف الدولي ضد الإرهاب لم يضم إليه الأسد والولي الفقيه، فإن حزب الله يشغل “الأفراد” الخاضعين لسلطاته على محاور عديدة، ويقدم للعالم بشكل مقصود مشاهد حربه المجيدة على الإرهاب، التي تتجلى بإحراق مخيماتهم وتعذيبهم والتنكيل بهم.

من محمد الدرة إلى حمزة الخطيب وصولاً إلى أحمد الدرة، تتراكم جملة ممارسات قام بها الإسرائيلي والبشاري، وها هم “الأفراد” القتلة في لبنان يستكملون المسار نفسه.

إلى متى سنسمح لـ”الأفراد” بقتل إمكانية ولادة الجنود ونشوء الجيش؟ لم يولد الجيش اللبناني بعد وهؤلاء الذين قاموا بكل ما ذكرناه ليسوا جنودا، بل إنهم من يضع السكين بيد خاطفي الجنود. إلى متى سنسمح لـ”الأفراد” باغتيال شرف الجنود وتضحيتهم ووفائهم؟ إلى متى؟.

7