من محمد المهدي إلى نصر حامد أبو زيد.. مئة عام على مبدأ "كفّـرْ تسلمْ"

التكفير طريق سهلة يسلكها المتعطشون لإراقة الدماء، ووقائع تنذر بوجود ميل فطري إلى "شهوة التكفير".
الخميس 2018/06/07
أفكار رهن الاعتقال
 

هل أن الأصل في الإنسان المسلم هو التكفير، ورصد وتصيّد سلوك وأفكار غيره ليصنفها في خانة المروق عن الدين وما يعقب ذلك من الأخذ على الشبهة وسط محاكمات اجتماعية وشرعية قاسية، ترهب من تخول له نفسه التفكير الحر أم أن تراخي الإرادة السياسية في ردع هؤلاء الذين يستبيحون أعراض الناس ويهينون كرامتهم باسم الدين، هو الذي جعل من التكفيريين أصحاب سلطة مطلقة، يهابها المؤمنون ويهادنها السياسيون، ويقع ضحيتها المثقفون؟

عمليا، يميل الخطباء غير الواثقين إلى وصفة “سكّـن تسلم”؛ تفاديا لأي زلة ترفع منصوبا أو تنصب مرفوعا، فيكون اللجوء إلى تسكين الحرف الأخير ملاذ العاجز، ويجنّبه اللوم على خطأ ناتج عن سهو أو جهل.

ونظريا، استقر الرأي الهابط من المنابر عبر العصور، على أن الكلمة إذا احتملت الكفر من تسعة وتسعين وجها، والإيمان من وجه واحد، حُملت على الوجه الحسن، على الإيمان. أما واقع الحال فهو استسهال التكفير، ولو احتملت الكلمة له وجها واحدا، عملا بمبدأ “كفّـر تسلم”، وهو تهافت ينهيه نطق المتهم بالكفر للشهادتين، وهذا يسوء المكفرين.

يذكرني مبدأ “كفّر تسلم” برواية “الآلهة عطشى”، وفيها يدين أناتول فرانس، التزمّت الثوري، والميل المرضيّ إلى التكفير الوطني، ورمي أبرياء بالخيانة وضعف الروح الثورية والعداء للجمهورية، وكلها اتهامات تسوّغ التعطش لإراقة الدماء “في سبيل الوطن”. وإذا كان إثبات الإيمان الوطني يحتاج إلى أدلة وبراهين وشهود وقرائن، فإن إثبات الإيمان تكفيه الشهادتان، ولو قالهما مقاتل معتد لكي يتّقي ضربة توشك أن تقتله. فلا أحد يستطيع أن يشق عن قلبه؛ ليعرف كذب القائل أو صدق المقولة.

حين تكون “الآلهة عطشى” فلا تكف عن الارتواء بالمزيد من الدماء، ولو انقلب السحر على الساحر. وقبل مئة عام أدت عبارة إلى اتهام الشيخ محمد المهدي، بالردة، والرجل من أساتذة طه حسين، ولم يكن الود بينهما موصولا، وقد انتقده طه حسين عام 1915، فغضب الشيخ وطالب بإلغاء عضوية طه حسين من البعثة، لولا تدخل أحمد لطفي السيد، واعتذار طه حسين للشيخ.

وبعد استقبال السلطان حسين كامل لأعضاء البعثة قبل سفرهم، صلى الجمعة في مسجد قصر عابدين، يوم 31 ديسمبر 1915، وخطب الشيخ المهدي، وامتدح السلطان الذي “جاءه الأعمى فأكرمه وبفضله عليه تجلى، وما عبس في وجهه وما تولى”، فغضب المصلون من الإساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ورأى البعض بطلان صلاة الجمعة فشرع في صلاة الظهر، ورفض وكيل مشيخة الأزهر الشيخ محمد شاكر أن يصافح الشيخ المهدي، وخاطبه بصوت غاضب “لا أصافحك، ولا أضع يدي في يدك. فاخرج من هنا فإنك مرتد لتعريضك بالنبي صلى الله عليه وسلم”. واحتج الشيخ المهدي وجادل بأنه كان يريد ذكر مناقب جلالة السلطان.

لن تتوقف عجلة التكفير عن الدوران حتى تشهد مصر ثورة ناجحة؛ فالداء تاريخي، وقد دارت الدائرة على طه حسين فاتهم بعد نشر كتابه “في الشعر الجاهلي” عام 1926، على الرغم من إجرائه تعديلات في الكتاب وتغيير عنوانه، ليصدر في العام التالي بعنوان “في الأدب الجاهلي”.

صحافي اقترح على نصر أبوزيد إجراء مقابلة تنشر مصحوبة بصورة له بالجلباب أمام باب المسجد، لكي يثبت للجمهور أنه مسلم

وفي عام 1932 قدم أعضاء في مجلس النواب استجوابا إلى وزير المعارف محمد حلمي عيسى، جاء فيه أن طه حسين، “الرجل المعروف بمصادمة آرائه لنصوص القرآن الكريم والعقائد الدينية. وقد ظهر عداؤه للإسلام في كثير من تعاليمه وآثاره.. وكيف تسمح أن يكون ذلك الرجل عميدا لكلية الآداب بالجامعة المصرية بعد أن افتضح أمره، وضجت الأمة كلها من خطر تعاليمه وآرائه التي لا تقل عن خطر دعاة التنصير في البلاد؟”. وفي 20 مارس 1932 قرر مجلس الوزراء فصل طه حسين من وظيفته، واستحسن ذلك شاعر مجهول، وخاطب رئيس الوزراء إسماعيل صدقي:

“يكفيك أن أنقذت دين محمد

من شر طغيان اللئيم المفسد

لو أن شرع الله يجري حكمه

لقضى بإعدام الشقي الملحد”.

ذلك الشاعر المهووس بالتكفير لم يحاسبه أحد؛ فشيوع بيت من الشعر في أجواء التعصّب لا يقل خطرا عن فتوى تكفيرية، وربما يثير غيرة مسلم يسعى لتخليص المسلمين من المتهم بالإلحاد. وإذا كان طه حسين نجا، فإن اللعنة أصابت نجيب محفوظ في أكتوبر 1994، حين أوشك على ذبحه شاب نال شهادة دراسية متوسطة بفتوى لعمر عبدالرحمن. واعترف الشاب بأنه لم يقرأ شيئا لمحفوظ، ولكنه تشرّف بتنفيذ الأمر. ولا يحول دون تنفيذ التكليف نطق محفوظ للشهادتين، كما لم تتطلب عودة الشيخ محمد المهدي من “الردة” أكثر من ذلك، وهو ما تكرر في نهاية القرن العشرين مع نصر حامد أبوزيد.

ورغم مرور مصر بعدد وافر من الاحتجاجات والانقلابات والثورات والتمردات الشعبية والشرطية الكبيرة أو المحدودة، إلا أنها لم تكن من عواصم التكفير. وهنا في صحيفة “العرب”، كتبت أكثر من مرة ومنها “معضلة الخمر في دولة شبه دينية شبه مدنية”، أن “الراصد لخطابات عبدالفتاح السيسي سيظنه واليا على إمارة إسلامية، وليس رئيس أقدم دولة في التاريخ، بإلحاحه على حماية الله للبلاد من أهل الشر، واستبعاده التفكير العلمي، والخلط بين الدعوة والدولة، والضمير والقانون”. وكان الله رحيما بنصر أبوزيد فتوفي في يوليو 2010، وأعفي من صدمة أخرى بخيبة الأمل في ثورة 25 يناير 2011.

من منفاه الهولندي كتب نصر أبوزيد، إلى صديق مصري، في 31 يناير 1997، أن دراسته “للخطاب الديني، المعتدل والمتطرف، لم تجد فارقا بينهما”، كما أنه لم يجد فارقا بين الخطابين الديني والسياسي في مصر، وأن “النظام ليس مدنيا بل هو نظام عسكري دكتاتوري لا يقل بشاعة في الحقيقة عن أي نظام ثيوقراطي، وأن مهمة المفكر أن يظل دائما محافظا على دوره النقدي والذي يتخلى عنه حين يختار طواعية أن يكون ترسا في آلة النظام”.

وقبل أن يغادر مصر، مطاردا بتهمة الردة، اقترح عليه صحافي إجراء مقابلة تنشر مصحوبة بصورة له بالجلباب أمام باب المسجد، لكي يثبت للجمهور أنه مسلم. لم يكن الاقتراح اجتهادا من الصحافي، وإنما بترتيب مثقف وموظف كبير “أراد أن يعلن للسلطان توبتي بكل وسيلة ممكنة”.

ولعل اختصاصيي علم النفس يفسرون بواعث الانتكاسة المزدوجة: سعي المثقف لإرضاء الحاكم، ورجل الدين لما يظنه إرضاء لله بالميل الفطري إلى شهوة التكفير.

13