من مهاباد إلى أربيل، مسعود البرزاني يتسلق جبل عائلته

الأحد 2014/05/04
البرزاني لا يكف عن الحديث عن الانفصال عن العراق وإقامة دولة كردستان

في المسافة التي يتماهى فيها مكان ولادته بزمانها تقع المفارقة التي أحكمت طوقها على حياته كلها. فالزعيم الكردي مسعود البرزاني الذي يتبوأ الآن منصب رئيس إقليم كردستان في العراق كان قد ولد في مدينة مهاباد الإيرانية عام 1946 وبالضبط يوم أعلنت تلك المدينة ذات الغالبية الكردية انفصالها عن إيران وقيام أول كيان سياسي كردي مستقل في التاريخ الحديث.


مهاباد حيث الحلم القتيل


ولأن ذلك الكيان السياسي الوليد لم يعش إلا أشهرا معدودات لأسباب تتعلق بالتوازنات الدولية يومها، فقد كان على الفتى أن يفارق أبيه الذي اضطر أن يعيش لاجئا في الاتحاد السوفييتي من غير أن يتعرف عليه.

لقد أسس ذلك الأب في لحظة فالتة من التاريخ الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي سيكون جزءا من إرثه السياسي الذي سيقع على عاتق الابن في ما بعد أن يقوده بين منعطفات السياسة الإقليمية والدولية متعددة الوجوه والمتعثرة في متوالية من التغيرات والتحولات التي شكل صمود النضال الكردي في مواجهتها نوعا من المعجزة، كان مسعود قد ضبط ساعته على توقيت حذر، ولم يكن الأب مصطفى البرزاني بسبب مكانته التاريخية والعشائرية ليوليه أي اهتمام يذكر.


إرث الأب التاريخي


كانت العهدة التي استلمها مسعود في وقت مبكر من حياته تمزج بين ما هو عشائري وبين ما هو قومي. بين العائلي والحزبي. بين الوطني المنفتح والانفصالي المنعزل. ولم تكن خياراته واسعة ومريحة، بل إنها لم تكن تسمح له بالحركة إلا في اتجاه واحد، قد يكون انتحاريا. فقد كان الرجل قد انتمى صغيرا إلى الـ “بيشمركة” وهي الجهة المقاتلة التي كان عليها أن تدخل في حروب كثيرة، قدر للعراقيين أن يكونوا مادتها المستباحة. بهذا المعنى كان الرجل مقاتلا ولم يكن سياسيا.

ولأنه لم يرث من أبيه أصدقاء مقربين إلا في ما ندر، فقد كان عليه أن يواجه الأعداء الذين ورثهم من ذلك الأب والذين كان عددهم أكثر من أن يُحصى بقسوة، لا تفصح اليوم عنها لغته السياسية التي تمزج التهديد بالانفصال بالرغبة في اعتماد التسويات التي جعلت منه وسيطا موثوقا به بالنسبة إلى كثير من سياسيي عراق اليوم.

كانت العهدة التي استلمها مسعود في وقت مبكر من حياته تمزج بين ما هو عشائري وبين ما هو قومي. بين العائلي والحزبي. بين الوطني المنفتح والانفصالي المنعزل


سيرة حياته صنعته


في الأول من آذار عام 1979 سيكون على مسعود البرزاني الذي لم يبلغ بعد الخامسة والثلاثين من عمره وهو يقف في مطار طهران أن يتذكر أنه وقف قبل حوالي عشرين سنة بين حشد من الناس الذين لا يعرفهم في مطار المثنى ببغداد ليستقبل والده الذي لم يره من قبل وهو يهبط من الطائرة التي أقلته قادما من موسكو عن طريق القاهرة. حدث ذلك عام 1958 وكان مسعود البرزاني يومها في الثانية عشرة من عمره.

غير أنه وقد ذهب إلى طهران بعد انتصار الثورة الإيرانية ليمهد لعودة والده من الولايات المتحدة إلى المنطقة لم يكن يتوقع أن والده لن تتاح له الفرصة في العودة إلى إيران. لقد توفي الأب في الولايات المتحدة، بعد أن أرسل ابنه إلى المكان الذي كان قد ولد فيه، هذه المرة لن يعود مسعود إلى قريته برزان، مثلما حدث له يوم كان طفلا، سيكون عليه أن يرعى حلما بحجم أرض وأرضا هي بحجم حلم.


الحداد كما لو أنه قدر


كانت الحرب العراقية ــ الإيرانية فرصة لإعلان التمرد الكردي من جديد، غير أنها كانت فرصة مناسبة لإعلان الحداد، أكثر من أن تكون فضاء للأمل المتجدد.

لقد انتهت تلك الحرب بمأساة حلبجة، وما تلاها في ما بعد من حملات عسكرية، كانت حملة الأنفال (بعد الحرب العراقية الإيرانية وقبل حرب الكويت) أكثرها مأساوية، حيث ذهب عشرات الآلاف من الكرد ضحيتها. لقد أدرك مسعود البرزاني في وقت مبكر أن القوى الدولية التي كان والده قد راهن على دعمها للقضية الكردية كانت غير مستعدة للتضحية بمصالحها من أجل الشعب الكردي. غير أنه استمر في خياره الأميركي الذي لم يجد له بديلا مناسبا.

وهو الخيار الذي منحه في ما بعد فرصة للاستقلال الواقعي حين فرضت الولايات المتحدة مستعينة بقرارات دولية حظر جويا، كان من نتائجه أن انفصل الشمال العراقي عن المركز.

البرزاني السني المذهب لم تكن لديه مشكلة طائفية مع الآخرين، لم يترفع على سنيته، لأنه في الأساس لم ينظر إلى الآخرين من جهة انتمائهم المذهبي، لا لشيء إلا لأنه ليس متدينا، وكانت خلافات الجميع المذهبية تصب في مصلحته


حرب الإخوة الأعداء


كان مسعود قد ورث أعداء أبيه المحليين أيضا. وهو ما جعله عاجزا عن أن يرث حلم أبيه في وطن، مساحته كردستان العراق كلها. كان في الواقع وحتى بعد استقلاله عن المركز سجين أربيل، المدينة التي كان يشكل أتباعه غالبية سكانها، غير أن ما حدث عام 1996 قد جعله يشعر بالخطر المصيري. يومها كانت قوات حزب الاتحاد الوطني بزعامة جلال الطالباني قد نجحت في الاقتراب من المدينة التي كانت حصنه الأخير. يومها استغاث البرزاني بصديقه القديم صدام حسين الذي لم يتأخر عن نجدته.

لقد حسم تدخل الجيش العراقي الأمور لصالح مسعود البرزاني وحزبه، غير أن ذلك الدرس كان مفيدا للكرد. لقد أدركوا يومها أن خلافاتهم العشائرية لم يعد لها وجود في عالمنا المعاصر. فهل انتقل الكرد بعدها فعلا إلى العصر الحديث من جهة طريقة الحكم؟


فراق الخصوم


بعد احتلال العراق قُيض لمسعود البرزاني أن يكون طرفا أساسيا في منظومة الحكم الجديد، ولأن الرجل لم يحلم يوما ما أن يحكم من بغداد فقد مهد الطريق لخصم عائلته التاريخي جلال الطالباني للوصول إلى بغداد.

يوم عين الطالباني رئيسا للعراق تنفس البرزاني الصعداء. إنها نهاية مشرفة لعدو تاريخي.

هي ذي جمهورية مهاباد تستعيد صورتها، لكن على أرض العراق هذه المرة. لقد ولد مسعود ليكون رئيسا. ما من خصم داخلي، في الوقت الذي صارت فيه شرور المركز مستبعدة، في ظل ظرف تاريخي نجح فيه الكرد في إقرار دستور ينص على استقلالهم الذي سيكون حتميا في ظل ضعف النظام الحاكم في بغداد.

ولد مسعود البرزاني في مدينة مهاباد الإيرانية في اليوم الذي أعلنت تلك المدينة ذات الغالبية الكردية انفصالها عن إيران وقيام أول كيان سياسي كردي مستقل في التاريخ الحديث، سمي جمهورية مهاباد


حكيم المرحلة القلقة


سيقال دائما إن مسعود البرزاني نجح في أن يكون شريكا في العملية السياسية، من غير أن يتورط في أخطائها. كان طيش الآخرين مصدر حكمته. فالرجل السني المذهب لم تكن لديه مشكلة طائفية مع الآخرين.

لم يترفع على سنيته، لأنه في الأساس لم ينظر إلى الآخرين من جهة انتمائهم المذهبي، لا لشيء إلا لأنه ليس متدينا. كانت خلافاتهم المذهبية تصب في مصلحته، وهو الرجل الذي لا يفكر إلا بكرديته.

لقد أمسك العصا من الوسط فكان رجل التسويات الحكيم الذي تنتظر منه الأطراف كلها كلمة الفصل. غير أن البرزاني لن يكون مطمئنا لدور، يلعبه بين خصوم لا يطمئن إلى قوتهم.

لذلك يفضل في سريرته أن يظلوا ضعفاء، مثلما هم، على خريطة يتقاسم الضعفاء أجزاءها. وكما يبدو فإن الرجل الذي تخلص من خصمه التاريخي جلال الطالباني عن طريق إغرائه بالرئاسة الفخرية، سيكون قادرا على التخلص من خصوم، لن تشكل خلافاتهم مصدر إزعاج له.


الانفصال بين إصبعين


لا يكف البرزاني عن الحديث عن الانفصال عن العراق وإقامة دولة كردستان المستقلة. غير أن كردستان التي يحلم بها ليست هي المساحة المقتطعة من العراق وحدها. يدرك الرجل أن كردستان الكبرى لا تزال حلما بعيد المنال، لن يمهد انفصاله عن العراق الطريق إليها.

ما يخسره ماديا عن طريق انفصاله لا يعوضه معنى أن يكون له دولة مستقلة، قد لا تقوى على إعاشة نفسها. إنه يضع الانفصال على الطاولة، في محاولة لابتزاز الآخرين، هم شركاؤه الذين يعرف أنهم غير قادرين على النظر إلى صورة العراق موحدا.

8