من مهازل الحوارات والمحاورين

السبت 2014/03/15

لست ممّن يَهوُون الأحاديث الصحافيّة، وإن كنت لا أرفض لأحد طلبا حتى لا أتّهم بالغرور والتعالي. ولكني اكتشفت أن أغلب من حاورني لم يقرأ لي حرفا واحدا، يتبدى ذلك للوهلة الأولى من خلال الأسئلة السطحية، التي تصلح لكل زمان ومكان، وتصلح أيضا لأن تُطرح على أي كاتب. كأن يسألك أحدهم عن البدايات ثم عن طقوس الكتابة لديك، ثم عن الإضافة التي حققتها في أعمالك، ومفهومك للقصة أو الرواية، وعن موقعك في الساحة، في أية خانة من المدارس الأدبية تصنّف نفسك، وعن موقفك من النقد والنقاد، ورأيك في ما قاله فلان أو علان حول هذه المسألة أو تلك، ويختم ذلك بسؤالك عن مشاريعك القادمة…

من هؤلاء “المحاورين” من يتظاهر بالاجتهاد، فيلتقط رأيا سبق أن قلتَه، أو كتبتَه، أو قيل فيك أو في أدبك، ليوهمك بأنه مطّلع متابع، وما تلك سوى محاولة للتغطية عن جهله بشخصك وأدبك، وهي طريقة مستهلكة لجرّك إلى الإسهاب في حديث لا يعرف من أين يبدؤه، لعله يستنبط في الأثناء سؤالا آخر.

ومنهم من يظن أنه وجد ضالته في ظهر غلاف كتاب من كتبك، حيث نبذة من سيرتك ومؤلفاتك، وربما ملخص أو مقتطف من الكتاب الذي بين يديه، لا يتردد في مناقشتك حوله بجدية من ألمّ بشخصيتك وفكرك.

ومنهم من يقدّم لك قائمة من الأسئلة لا يربطها رابط ولا ينظمها منطق، رصفت عفو الخاطر رصفا مشوشا، مما يضطرك إلى فرزها وتصويب أخطائها وإعادة صياغتها وترتيبها ترتيبا منهجيّا قبل الإجابة عنها.

ومنهم من لا يستحي أن يطلب منك أن تحاور نفسك بنفسك في كذا صفحة، وكذا كلمة، ولك أن تحدد الأسئلة التي تريد، وتضع الأجوبة التي تشاء، ولا ينسى أن ينصحك بالاعتراض عند السؤال على أقوالك، حتى لا يكون الأمر مفضوحا.

والغاية في كل الحالات ليست الاقتراب من كاتب ما لمزيد التعرف عليه وتلمس طرق تفكيره، والوقوف على تجربته ونظرته إلى المجتمع والكون، بل الحرص على إعداد مادّة يتقاضى عنها ذلك الصحافيّ أجرا. يستوي في هذا الاستهتار بالكاتب والكتاب حتى العاملون في الوسائل السمعية البصرية، إذ نادرا ما يكون مقدّم البرنامج على اطلاع بمسيرة ضيفه ومنجزه، وعادة ما يمضي الحديث بينهما كما تمضي ثرثرة المقاهي، فلا يمكن بعدئذ أن يُستغل كوثيقة تاريخية هامة، تعكس فكر الكاتب ومشاغله وموقفه من الحياة والنفس. ولله في خلقه شؤون.


كاتب من تونس مقيم في باريس

17