من موت الإله إلى موت النظرية النقدية

الباحث بسام قطوس يدعو القارئ من خلال كتابه "موت النظرية النقدية: رحلة النظرية النقدية من الولادة إلى الموت" إلى التفكير في إشكالية النظرية النقدية.
الثلاثاء 2020/12/29
محاولة لإبداع المفاهيم وتطويرها

كشف إعلان نيتشه عن "موت الإله" عن تحول ثقافي وفكري كبير، ثم بعد عقود أتبعه فلاسفة ومفكرون في اتخاذ موت المفاهيم كمرحلة للتأسيس لنظريات جديدة. وفي كتابه الأخير يقف الباحث بسام قطوس عند موت النظرية النقدية، محلّلا رحلتها من الولادة إلى الموت.

بعد تأبين الإله والمؤلف والإنسان والناقد والقارئ والخيال والشخصية في الأدب والفن، وحتى الأدب نفسه، على يد العديد من المفكرين والكتّاب الغربيين، يرد السؤال الآن عما إذا جاء دور تأبين النظرية النقدية؟

لم يكن الفيلسوف نيتشه أول من استعمل تعبير “موت الإله”، بل الشاعر والناقد الألماني هاينرش هاينه (1797 – 1856). لكن نيتشه هو الذي اضطلع بمهمة التحليل الفلسفي للتحوّل الثقافي الذي تصفه عبارة “موت الإله”، وكان لها تأثير على مفهوم “المركزية” و”منطق الهُوية” اللذين سادا الفكر الغربي ردحا طويلا من الزمن.

موت المؤلف والإنسان

نشر الناقد الفرنسي رولان بارت سنة 1968 مقاله الشهير “موت المؤلّف” ليقلب حال النظرية الأدبية المعاصرة رأسا على عقب، “إن النص من الآن فصاعدا على كافة مستوياته وبجميع أدواته، منذ صناعته وحتى قراءته، يظهر بشكل يغيب فيه المؤلف غيابا كاملا”.

ويدعو بارت إلى أن نحذف من قاموسنا كلمة “مؤلف” ليحل محلها “الكاتب”، “فالحياة لا تعرف شيئا سوى أن تحاكي الكتب، وما الكتب ذاتها إلا مجرد أشياء مصنوعة من العلامات”. وكان يقصد بذلك ولادة القارئ، وحتميّة مواجهته للنّص، بما هو كيان لغوي قائم بذاته معزول عن المؤلّف، ليكون حسب رأيه “نسيجا من الإحالات والاقتباسات المستقاة من بُؤَر ثقافيّة لا حصر لها”، ويصبح القارئ فقط “الفضاء الذي تُنقش عليه كل الإحالات التي تتألّف منها الكتابة دون أن تفقد هويّتها، فهو من غير تاريخ وسيرة وسيكولوجيا. إنه فقط الشخص الممسك بكلّ الآثار التي يَتَشَكَّل منها النصّ المكتوب، فمولد القارئ يجب أن يكون على حساب موت المؤلّف”.

ماكدونالد لا يرى في إعلانه "موت الناقد" عملا تأبينيا، فالناقد بالنسبة إليه شخص غير فاعل لعدم قدرته على الخلق الفني

وقد رأى أكثر من مفكر وباحث وكاتب أن البنيوية فلسفة موت الإنسان، لأنها عبارة عن شكل من أشكال التفكيك والتقويض الذي يهدف إلى إلغاء الكائن الإنساني، وجعله خاضعا لمنظومة لغوية، فلا إرادة مستقلة له أو وعي مستقل، بل مجرد مفردة تُشكّل منها جمل لغوية ومنظومات أسطورية، والذات الإنسانية الواعية، إن هي إلا جزء من بناء ضخم يتحرك حسب هواه أو قوانينه، وما الذات سوى حامل ترتكز عليه البنية. وحسب هذا المنظور أصبح الإنسان خاضعا لمنطق البنية المتماسكة، وبدلا من أن يكون صانعا للغة خالقا لها صار إفرازا لغويا، والنتيجة الأخيرة من كل ذلك هي موت الإنسان.

وبحسب الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو، أمسى الإنسان مجرد اختراع حديث العهد، مجرد انعطاف في المعرفة، وسيختفي عندما تتخذ هذه المعرفة شكلا جديدا. وفي هذا الصدد يقول في حوار أُجري معه، إن إعلان نيتشه عن موت الإله “لم يكن إعلانا عن ظهور الإنسان، بل مؤشرا على اختفائه، وإن بين الإله والإنسان ثمة علاقات أبوّة غريبة، يشكلان تارة علاقة إخوة توأم، وتارة أخرى علاقة أبوة. ومادام الإله قد اختفى، فإن الإنسان سيختفي معه حتما في نفس الآن مخلفا وراءه شرخا مهولا”.

القارئ بديلا

استُثمرت أطروحة بارت في صياغة نظرية عن العلامات وتطبيقاتها في الفن الأدب على يد المنظّر السيميائي الإيطالي أمبرتو إيكو، ومن بعده مدرسة كونستانس على يد رائديها ياوس وآيزر اللذين قرّبا بين الظاهراتية ونظرية القراءة ليكون نتاج ذلك ما أطلقا عليه “نظرية التلقي” أو “جماليات التلقي”، التي ركّزت على عملية القراءة ذاتها، بوصفها عملية تفاعلية بين القارئ والنص، وكتأثير يجري اختباره وليس هدفا يجب تحديده. وأكدت التفكيكية أيضا من بعد هذه النظرية على أن عملية القراءة تسير في اتجاهين متبادلين من النص إلى القارئ، ومن القارئ إلى النص في إطار علاقة تفاعلية.

موت الناقد

اقتفى الكاتب البريطاني رونان ماكدونالد أثر رولان بارت، فكتب كتابا بعنوان “موت الناقد” أعلن فيه أن الناقد قد مات، مخليا مكانه للقارئ الذي يستطيع الآن، وفي ضوء تطور وسائل الاتصال، أن يضفي قيمة على الأعمال الإبداعية التي يقرؤها من دون حاجة إلى ناقد متخصص يرشده.

ولا يرى ماكدونالد في إعلانه “موت الناقد” عملا تأبينيا، فالناقد بالنسبة إليه شخص غير فاعل بسبب عدم قدرته على الخلق الفني، مجرد متطفل على النص، يمتلك أدوات وتأثيرا قادرا على تدميره. كما أن بإمكانه، على نحو غير لائق، تدمير سمعة المبدعين بضربة واحدة من قلمه المسموم.

ولا يخفي ماكدونالد سعادته وترحيبه بانسحاب شخص بهذه الصفات من المشهد، فقد صار القراء الآن في حلٍّ منه، باستطاعتهم أن يختاروا ما يودون قراءته ومشاهدته من غير قيود ووصاية. ومع وجود “سلطة الجماهير”، التي هي القوة الدافعة السائدة الآن، فإن زمن الناقد، بوصفه الحكم الفيصل الذي يحدد ذائقة الجمهور ويقرر ما يستهلكونه على الصعيد الثقافي، قد ولّى.

ورأت الناقدة الأميركية إليانور فوش في كتابها “موت الشخصية: رؤى حول مسرح بعد الحداثة”، أننا “نشاهد في مسرح ما بعد الحداثة ‘موت الشخصية’ وموت المؤلف المسرحي”. وتحدث نقاد آخرون عن ذوبان الشخصية في هذا المسرح بوصفها نسيجا سايكولوجيا من اللامعقولية، وما عليها إلا أن تتلفّظ بالخطاب غير المكتمل والمفكك من الناحية النفسية.

موت النظرية النقدية

ثورة معرفية وجمالية ولغوية تتجه إلى النص باعتباره نقطة البدء
ثورة معرفية وجمالية ولغوية تتجه إلى النص باعتباره نقطة البدء

في كتابه “موت النظرية النقدية: رحلة النظرية النقدية من الولادة إلى الموت”، الصادر حديثا عن دار فضاءات في عمّان، يدعو الباحث الأكاديمي بسام قطوس القارئ إلى التفكير في إشكالية النظرية النقدية وتحوّلاتها قبل الإسراع إلى رفضها؛ الإشكالية بمعنى السؤال عن مصير النظرية، وهو سؤال لا ينتظر جوابا شافيا، لأنه موضوع جدلي أزلي، يحفّز القارئ، في رأيه، على التأمل في هذه الإشكالية ومحاورتها؛ فالنظرية في الوقت الذي تغيب فيه متصوّراتها تصبح جزءا من الموسوعة النقدية العامة، وبخاصة الموسوعة الإجرائية.

ويتناول الكتاب في فصله الأول المفاهيم؛ أي المَفْهَمَة، وتحديد المصطلحات، باعتبار المصطلح عنوان المفهوم، والمفهوم أساس الرؤية، والرؤية نظّارة الإبصار التي تريك الأشياء كما هي، دون تقعير أو تحديب، لافتا إلى أن تاريخ الفكر هو تاريخ الإنتاج المتواصل للمفاهيم. ويطمح الكتاب إلى الاستفادة من تلك المفاهيم التي أبدعها الفلاسفة الشيوخ، بوصفها محدّدات كبرى للفكر، مع اجتهاده في “امتصاص” تلك المفاهيم والتصرّف فيها، والإضافة إليها بما يتناسب وأطروحته.

ويرى قطوس أن الفلسفة ليست لها قواعد ثابتة، بل هي سلوك يسعى إلى إبداع المفاهيم وتطويرها حسب مقتضيات الواقع، وفي أصل كل مفهوم ثمة سديم من الأفكار أو الأسئلة أو الإشكالات التي أتاحت بروزه، فلا يمكن تناول النظريّة النقديّة دون الإحاطة بالأسس الفكرية والمعرفية التي أسهمت في ولادتها ونموّها وتطورها في سياق معرفي يعتقد صاحبه بـ”الاكتمال الناقص”.

ويقف المؤلف في القسم الأول من الكتاب على المقولة المؤسسة لمقولة “موت النظريّة النقديّة”، وهي مقولة “موت المؤلف”، لتبيُّن الخلفيات الفلسفية التي استنبتت فيها، وهي فلسفة “موت الإله” عند نيتشه، و”موت الإنسان” عند فوكو. ويطرح العديد من النظريات التي تحدثت عن موت الناقد، ويجيب على التساؤلات حول هذا الموضوع كما يأتي “ما الإطار المعرفي الذي ظهرت فيه مقولة ‘موت المؤلف’؟، وما الترتيبات المعرفية لحياة المؤلف، وما الترتيبات المعرفية لموته؟، وما دور اللغة في نظرية موت المؤلف؟، وما موقع النص في نظرية موت المؤلف؟”.

ويتحدث قطوس في القسم الثاني عن “موت النظريّة النقديّة و/ أو الأدبيّة”، ويجيب على مجموعة من التساؤلات من قبيل، “ما معنى موت النظريّة النقديّة: هل هو إعدامها، أو محوها، أم موت تصوراتها، أم نسخها، أم ارتحالها، على اعتبار أن النظريات تسافر وتهاجر مثل البشر؟، ما الترتيبات المعرفية لولادة النظريّة النقديّة، وما هي الترتيبات المعرفيّة لموتها؟ هل موت النظرية موت فيزيائي، يمنع النظرية الميتة من مزاولة وظيفتها، أم يسمح بحياتها في ترتيبات معرفيّة أخرى؟ وحين تموت النظريّة، فهل لها من بدائل، وهل يمنع موتها من دراستها والإفادة من ذاكرتها التاريخية، أو المعرفيّة، وما تجود به من معرفة تأسيسية مهمّة لتطور الحقل النظري، والتطبيقي الذي أسست له؟”.

ويذهب قطوس إلى أن البعض لا يزال يستفيد من النظر النقدي اليوناني والروماني، على الرغم من اختلاف التصور الميتافيزيقي الذي بنيت عليه نظرية المحاكاة، وهو تصور يفتقر إلى تكوّنه التاريخي، عن فلسفة الاختلاف، التي بدأ التأسيس لها مع نيتشه وفوكو ودولوز وديريدا، وسواهم، لافتا إلى أنه قبل الوصول إلى جواب يجب أن نحفر على ذاكرة النظرية النقدية وخلفياتها المعرفية، ومرجعياتها الظاهرة والخفية، قبل أن نسرع إلى إصدار حكم ما عليها، أو رفضها أو قبولها.

ويرى المؤلف أن ثورة معرفية وجمالية ولغوية أتت بالنظرية النقدية التي اتجهت إلى النص باعتباره نقطة البدء والمعاد، بغض النظر عن سيرة المؤلف وحياته، فتشكلت النظريات النسقية، التي كانت مقدمة لمشروع البنيوية في ضوء سياق معرفي همّش الإنسان في مقابل مركزية النظام أو النسق، وهكذا أخذت النظام والنسق في المركز، فمركزية، وهمّشت ما عداه.

ويخلص قطوس إلى أن فلسفة الاختلاف سعت إلى نقض المركز، وحاولت إيجاد بدائل لفكر المراكز، وتنشيط الهوامش، لتكون مساهمة في تفكيك مركزية النظرية، فقد هيّأت لفكر ما بعد الحداثة وهكذا دواليك، لافتا إلى أن النظرية الأحدث لا تلغي النظرية السابقة تماما، وإنما تتجاوز مسلماتها، فتجدد أفقها المعرفي، وتنوع في الرؤى والأنظار؛ فهي اختبار مستمر للأنظار والتصورات، وهي لا تموت إلا لتحيا وتتجدد؛ وتبعث من جديد وكأنها العنقاء، ناموسها المعهود “الموت هو البداية”.

15