من نزع البهجة من ديارنا: أين الخلل؟

الأحد 2014/01/26

يقول داهية السياسة البريطانية ونستون تشرشل (1874-1965)، ” قد لا يكون الانتقاد محببا، لكنه ضروري للقيام بنفس وظيفة الألم في جسم الإنسان، فينبهنا بأن هناك شيئا ما ليس على ما يُرام”.

منأصعب الأمور على الفرد وأشدها إيلاماً أن ينتقد مجتمعه، فهو هنا إنما ينتقد ذاته، ولكن أن تحب شخصا أو كيانا، وليس هنا أعز من الذات، لا يعني أن ترضى عنه كل الرضى، بل أن تنبّهه إلى ما فيه من خلل قد يكون خافيا عن البعض، وقد يكون ظاهرا ولكنه السهو، في أحسن الحالات، أو التغافل لأسباب لا علاقة لها بسلامة المجتمع، وفي أسوأ الحالات هو السبب في عدم الحديث عن الخلل، وهذا هو مبعث نقدنا للمجتمع السعودي وما يمور به من أعراض مرضية تراكمت عبر الزمن وتحولت إلى ما يشبه قنبلة موقوته تهدد قواعده التي قام عليها. فساد مالي وإداري وأخلاقي، وتحرّش جنسي، وتعاطي مخدرات، وشذوذ جنسي، وتطرف ديني ولا ديني، وهجرات موسمية إلى بلاد خلق الله الأخرى، وتلاعب في الدين من أجل مكاسب مالية أو وجاهة اجتماعية سريعة أو لتبريرات سياسية مختلفة، وأمور أخرى كثيرة تتواجد في مختلف بلاد العالم حقيقة بهذه النسبة أو تلك، ولكنها في السعودية، وهذا جزء من ” الخصوصية السعودية “، بدأت تتحول إلى ظواهر مهددة بدمار الكيان الاجتماعي، وما يترتب على ذلك من تأثيرات سلبية مدمرة على الصعد السياسية والاقتصادية والثقافية، وفوق ذلك كله إنسان هذا المجتمع الذي هو في غالبيته المطلقة يتكون من جيل جديد شاب لا يتجاوز الثلاثين من العمر.

كل ذلك يجري في بلد يشكل الدين والأمن و” الطهارة الأخلاقية ” هاجسا رئيسا ضمن هواجسه العديدة، إن لم يكن هو الهاجس الرئيس الذي يشكل قاعدة الشرعية للدولة والمجتمع، فتكثر الأجهزة الحامية للأمن والأخلاق معاً، ومع ذلك فلا أجهزة الأمن استطاعت أن تكبح جماح الجريمة بشكل يتناسب مع نموها المطّرد، ولا أجهزة حماية الفضيلة استطاعت أن تحوّل المجتمع إلى كيان من الملائكة، أو حتى شيء قريب من ذلك، بل ولا حتى إلى مستوى مساوٍ لبعض المجتمعات التي تخلو من أجهزة حماية الفضيلة جملة وتفصيلاً.

ولا نريد هنا أن نغمط أجهزة الأمن حقها من الإشادة والنجاح في إنجاز العديد من الأمور المتعلقة بأمن المجتمع، وخاصة فيما يتعلق بمسألة الإرهاب، ولكن قضية الأمن في المجتمع السعودي تتجاوز كونها مجرد قضية أمن ليمكن محاربتها بالأجهزة والحلول الأمنية الصرفية، بقدر ما أنها قضية ترتبط بجذور اجتماعية قد يبدو أنها لا علاقة لها بالأمن بينما هي في صميم الأمر، فالأمن في نهاية المطاف جزء من منظومة اجتماعية وثقافية متداخلة، وليس أمراً تقنياً صرفاً ومنعزلاً، يمكن أن يتكفل به جهاز عسكري معين أو جهاز أمني محدد، فقبل أن تكافح الجريمة المتصاعدة مثلاً، يجب معرفة لماذا يسرق الناس ولماذا يقتلون ويغتصبون ويرتشون، إذ دون ذلك أنت تقص الحشائش الطفيلية الظاهرة على السطح، أما الجذور فهي حية قابعة تحت السطح لا تلبث أن تنتج الطفيليات من جديد.

وقبل أن تكافح وتطارد الرذيلة والأخلاق الفاسدة، هذا إن كان هناك اتفاق على معنى الرذيلة والفضيلة والأخلاق السامية، يجب معرفة لماذا يقع الناس في الرذيلة ويمارسونها، رغم التثقيف الديني المكثف والوعظ والإرشاد، ورغم كل هذا الكم من مؤسسات مكافحة ” الرذيلة ” والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ دون ذلك يُصبح كل الجهد في هذا المجال حرثاً في بحر، أو رسماً على كثبان رمال متحركة. كل هذه الأمور والظواهر باتت معروفة ولا تحتاج إلى عقل لمّاح يستطيع ملاحظتها، ولكن السؤال هو لماذا كل هذه الظواهر في مجتمع يُفترض أنه بُني على الدين ومكارم الأخلاق والطهورية المطلقة، فإذا به يفيض بما هو عكس ذلك كله، وبدرجة تفوق الكثير من المجتمعات التي هي أقل طهورية مفترضة، وأقل تربية دينية، وأقل حديثا عن الأخلاق ومناقب الفضيلة، ودائماً هي متهمة بالفسق والفجور ومساوئ الأخلاق. دون إطالة لحديث مُدرك وكلام أصبح يُلاك حتى في المجالس العامة، فإن مشكلة المجتمع السعودي في ظني، وأساس الخلل في بنيته والسلوك المذبذب لأفراده، أو لنقل معظم هؤلاء الأفراد، يتركز في العوامل التالية:

أولاً: الغلو في تديين المجتمع. بُني الإسلام على خمس وهي أركان الإسلام المعروفة لأي طفل من أطفال المسلمين، ولو نظرنا إلى هذه الأركان لوجدناها بسيطة بساطة الدين الإسلامي نفسه حين انطلق من جبال مكة، ولا تستغرق وقتاً طويلاً، أو جهداً يستحق الذكر لممارسة شعائرها. فالشهادة هي لفظ لساني يُعبر عن إيمان مقره القلب، وما اللسان في هذه الحالة إلا ترجمة لفظية لتلك المشاعر التي تستولي على الفؤاد. وشعائر الصلاة مع الوضوء حين تحسب مدتها في اليوم الواحد تجد أنها لا تتجاوز الساعة والنصف إلى الساعتين بالكثير، أي ساعتان من أربع وعشرين ساعة.

والزكاة مبلغ لا تتجاوز قيمته جزءا من أربعين جزءاً مما يحول عليه الحول من مال، وذلك إذا توفر النصاب، وهو لا يتوفر لأكثر المسلمين الذين يعيش الكثير منهم تحت خط الفقر، إن لم نقل تحت حد الكفاف ليس بعيداً عن حد الجوع. أما الصوم فهو شهر واحد من اثني عشر شهراً، أي جزء من اثني عشر جزءا من السنة. والحج مرة واحدة في العمر لمن استطاع إليه سبيلاً، وأكثرية المسلمين لا تستطيع إليه سبيلاً. وماذا غير ذلك؟ الحلال والحرام؟

الحلال بيّن والحرام بيّن، هكذا يقول نبي هذا الدين، والمحرمات في الإسلام لا تتجاوز في تعدادها الشيء اليسير، وما تبقى من شؤون هو حلال بالفطرة والطبيعة، فالحلال هو الأصل والتحريم هو الشذوذ عن القاعدة. فالله، جلّت قدرته، صاحب الدين وباعث الرسل من أجل التبشير به، يريد اليسر ولا يريد العسر بخلقه، وكل تكاليفه الدينية لا تتجاوز نسبة ضئيلة من وقت المؤمن الملتزم به كل الالتزام.

هذا هو الإسلام ببساطة، الإسلام الذي بشّر به خاتم الأنبياء والمرسلين، محمد بن عبدالله، صلى الله عليه وسلم، وهو الإسلام الذي يعرفه الإنسان البسيط ويمارسه سلفاً وخلفاً، ولكن هذه البساطة في الدين غير كافية بالنسبة إلى البعض، أولئك الذين يريدون من الدين أن يكون مذهباً سياسياً يبرر السلوك السياسي مثلاً، مهما كانت طبيعة هذا السلوك، وفق مفردات ومفاهيم دينية لويت أعناقها، وحُمّلت من المضامين غير الدينية ما لا تحتمل، أو وسيلة لجاه اجتماعي سريع حيث يتحول الدين البسيط إلى ” وظيفة ” ومنصب يدرُّ المال الوفير، أو موقعاً اجتماعياً يحقق النفوذ والسلطة لصاحبه بأيسر الطرق وأسهلها، فيعقّد البسيط، ويُحوّل ما هو مفهوم بالفطرة إلى ما هو مجموعة من ألغاز لا يعرف شفرتها إلا شخص بعينه، أو مؤسسة بعينها، فلا يعود المجتمع أعلم بأمور دنياه، وفقاً لحديث الرسول الأكرم: ” أنتم أعلم بأمور دنياكم ” (ورد في صحيح مسلم وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم)، بل يُصبح البعض أعلم بأمور الدين والدنيا معاً، ويتحول الحرام من كونه شذوذاً عن القاعدة إلى أن يكون هو ذات القاعدة، فيُقيد السلوك تقييداً مبالغاً فيه، وتنتفي أبسط مكونات الحرية، ويُصبح الفرد المسلم محل شك وريبة في دينه حتى يثبت العكس، مع أن الأصل هو نقاء القلب، ولا يكون إثبات العكس إلا بالسير وراء من يُعقّدون الدين، ويجعلون فهمه قاصراً على أفراد دون غيرهم، أو مؤسسة دون غيرها، لأغراض هي في النهاية لا علاقة لها بجوهر الدين الذي فهمه ذلك الأعرابي ثائر الشعر الذي جاء إلى رسول الهدى، صلى الله عليه وسلم، وفهم منه أسس الدين البسيط دون وسيط ولا تعقيد، فشهد له رحمة الله المهداة للعالمين بالجنة إن هو صدق، أو أعراب جزيرة العرب الذين فهموه بكل بساطة، دون تعقيدات من حولوا الدين إلى وظيفة اجتماعية أو وسيلة سياسية أو تصنيف ووصاية وإقصاء ثقافي، سواء كانوا يفعلون ذلك بقصد غير ديني وهم يشعرون، أو هو دافع ديني حقيقي ولكنهم عن نتائجه الأخرى غافلون، أو حتى عن لب الدين هم ساهون.

في السعودية، وخاصة بعد تزامن الثورة الإيرانية وحادثة الحرم والغزو السوفيتي لأفغانستان (1979)، ومن ثم صعود ” الصحوة-الغفوة ” الدينية، أصبح الغلو في الدين هو العنوان الرئيس لمسيرة المجتمع، وسواء كان ذلك ممارساً من قبل الدولة أو من قبل المجتمع، أو من قبلهما معاً، في علاقة يمكن وصفها بالتعاضدية أنتجت المزيد من الغلو في تدين ما أنزل الله به من سلطان.

صحيح أن المجتمع السعودي كان متديناً على الدوام مقارنة بمجتمعات عربية ومسلمة أخرى، ولكنه لم يكن مغالياً في تدينه، وخاصة بعد تثبيت أركان الدولة السعودية الحديثة في أعقاب القضاء على تمرد “الإخوان” (إخوان من طاع الله) في معركة السبلة عام 1929، على يد الملك عبدالعزيز وجيشه، رحم الله الجميع، وبداية بناء الدولة. وصحيح أن الملك فيصل، رحمه الله، كان قد أدلج الدين لأغراض سياسية خارجية، ولكن ذلك لم يؤثر كثيراً على الداخل الاجتماعي، الذي بقي متديناً ومنفتحاً على السواء. أما في أعقاب حادثة الحرم (20 نوفمبر/ تشرين ثاني 1979م، غرة محرم من عام 1400هـ)، فإن الدولة ذاتها تحولت إلى نوع من الغلو الديني، ربما لأنها فوجئت بمدى الغلو الديني لدى الورثة الفكريين للإخوان (إخوان السعودية من البادية وليس إخوان مصر والشام من الحاضرة)، فتبنت فكرهم سلوكاً رغم إنكاره فكراً، وأصبح فكر جهيمان المقتول ورفاقه هو عنوان المرحلة الاجتماعية والسياسية اللاحقة، بالتضافر مع حركة تنمية لم يسبق لها مثيل من قبل، فكان جدل التدين والثروة الذي ترك بصمات سلبية كثيرة على الشخصية السعودية والدولة السعودية، ولكن هذا حديث آخر.

وجاءت الثورة الإيرانية (عاد الخميني إلى طهران في 1 فبراير/ شباط 1979)، متخذة من الإسلام، في صورته الشيعية الإثني عشرية، أساساً لشرعيتها السياسية والاجتماعية، فما كان من السعودية إلا إعادة التأكيد على شرعيتها الدينية التاريخية، القائمة على الإسلام، في صورته السنية الحنبلية الوهابية، فكان أن بدأت المزايدة السياسية في المنطقة على أي الأطراف أكثر إسلاماً وأكثر تمثلاً لدين الله من الآخر، إسلام الثورة أم إسلام الثروة. وجاء أيضاً، مترافقاً مع الثورة الإيرانية وحادثة الحرم، الاجتياح السوفيتي لأفغانستان (25 ديسمبر/ كانون أول من عام 1979)، وبدء حركة “الجهاد “، فكان أن تحالفت السعودية مع الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفيتي، واستخدم الدين كسلاح معنوي فتاك في حرب أفغانستان من قبل أميركا والسعودية وباكستان وغيرهم، وتحويل المعركة من صراع سياسي بين القوتين الأعظم في تلك الفترة في إطار حرب باردة تشتعل في زوايا العالم الصغيرة تحاشياً لمجابهة مباشرة بينهما، إلى صراع ديني بين الكفر والإيمان، بين قوى الخير وقوى الشر، ودُفع بالشباب المتحمس إلى المشاركة في ” الجهاد ” المقدس بشعارات دينية، لتحقيق مآرب سياسية دولية. حُمّى “الجهاد ” في أفغانستان، وما أثارته من عاطفة دينية لدى المجتمع، متمثلاً في إعادة التصور الذهني لمعارك وغزوات الإسلام الأولى، كان ورقة رابحة في أيدي اللاعبين السياسيين، سواء كان هؤلاء من الدول أو من المنظمات التي لا تخرج مصالح أكثرها عن مصالح تلك الدول، إن لم تكن أذرعا فرعية لها، فزادوا من الجرعة الدينية في تصوير هذا الصراع، وانتهى الصراع ولكن بقي التدين السياسي وغير السياسي رغم غياب السياسة..هذا، ويستمر الحديث في الحلقة القادمة إن شاء عالم الأسرار..

6