من نزع البهجة من ديارنا: حين يغيب الوعي ويشوه الإدراك..

الأحد 2014/02/23

مواصلة لحديث مقال سابق نقول: مشكلة التربية والتعليم في السعودية هي أنها حُمّلت أثقالاً، وضُمّنت أحمالاً لا علاقة لها بتربية أو تعليم بقدر ما أن لها علاقة بأدلجة وتسييس وتوجيه بعضه ظاهر وغالبه خاف مستتر، وذلك مثل جبل ثلج عائم في لجة المحيط، وهذا راجع إلى أمور لعلنا نستطيع المرور بها في هذه العجالة. سبق وأن ذكرت أن أجيال ما قبل التعليم الرسمي، ولنسمها أجيال الفطرة وصفحة العقل البيضاء، كانت أمية في معظمها إن لم تكن كلها باستثناءات بسيطة، ولكنها لم تكن بأي حال من الأحوال جاهلة أو مغيبة الوعي عما يدور حولها. سواء كان ذلك شأناً محلياً أو شأناً عالمياً وقصص كثيرة يُمكن أن تروى في هذا المجال وليس هنا مجال ذكرها.

أما أجيال التعليم الرسمي، وخاصة أجيال مناهج وأساتذة ما بعد الغفوة، بل وما قبل الغفوة ولكن بدرجة أقل، فهي متعلمة فعلاً من حيث القراءة والكتابة، ولكنها في الحقيقة جاهلة من حيث الإدراك، ومغيبة الوعي بظلمات بعضها فوق بعض: امتلأت الأدمغة بأنواع من المعارف، ولكنها خالية الوفاض من أيّ وعي وإدراك من المفترض أن يقوم على أساس معرفة تنير العقل بما يجري في العالم من حولها، وليس في معرفة تغيب العقل في مقولات تفصله عن واقعه وواقع العالم من حوله، بل وتخدره في مقولات تقلل من قيمة الدنيا وثقافة الحياة، لتدفعه في النهاية إلى ازدراء هذه الحياة ومن ثم اعتزالها أو مقتها وبداية البحث عن وسائل للتخلص منها والوصول بسرعة إلى الحياة الحقيقية، وهنا يكمن مربط الفرس والوتر الذي يلعب ويدندن به دعاة الجحيم وأعداء الحياة.

لقد خلقت هذه المعرفة الخالية من أية معرفة سدوداً كثيرة وحدودا عديدة بين العقل وبين العالم من حوله، فأصبح عقلاً منتجاً لذاته وما زُرع فيه من معارف هي في حقيقتها بعيدة كل البعد عن المعارف.

ولماذا نذهب بعيداً إلى ما قبل التعليم الرسمي، فحتى أيام التعليم الرسمي ما قبل أيام ” الصحوة ” وإرهاصاتها، واستيلاء مؤدلجي الدين من إخوان مسلمين وغيرهم من تيارات الإسلام المسيس أو المبتسر أو المختزل أو المعلب أو أحادي الجانب، اختر ما شئت من الصفات طالما أن المعنى لا يتغير، لم يكن التعليم محملاً بكل تلك الأثقال من محتويات ذات طابع أيديولوجي في أعماقها حتى وإن بدت غير ذلك، وإن لم يكن خالياً من مسحة أيديولوجية معينة، وهو ما سيتضح من خلال المناقشة.

تعليم ما قبل ” الغفوة “، كان جوهره التعريف بالعالم من حولنا والوعي بما يجري في هذا العالم، ولذلك كانت العلوم الطبيعية والاجتماعية تحتل مكانة بارزة في مناهج التعليم آنذاك، ولم تكن هذه المناهج محملة بكل هذا النفس الأيديولوجي الديني المسيس والناشر لثقافة الكراهية، بل كانت تسعى في الجزء الأكبر منها إلى تخريج أجيال قادرة على مواجهة الحياة، ومفعمة بثقافة الحياة والجهاد بمعناه الحقيقي المشتق من الجهد، أي العمل على إثراء الحياة وتحسين الوضع الإنساني أو عمارة الأرض التي هي جوهر خلافة الإنسان للإله على الأرض: ” إني جاعل في الأرض خليفة “، والتي هي علة خلق الخالق لمخلوقه العاقل، ليتحول مفهوم الجهاد إلى دعوة للهدم والتدمير وتشويه النفس البشرية بمختلف أنواع السموم، بدل أن يكون وسيلة لتغيير الذات وبناء عالم لم يُخلق إلا ليُبنى.

صحيح أن المواد الدينية كانت تحتل مكانة بارزة في المنهج التعليمي، ولكنها في الأغلب الأعم لم تكن تحمل هذه الشحنة الأيديولوجية ذات الطبيعة الحزبية والفئوية التي تحملها وتتنفس بها مناهج اليوم الدينية وغير الدينية، والتي تُقحم فيها مقولات وتأويلات دينية ما أنزل الله بها من سلطان، تحت عنوان عريض خادع هو أسلمة العلوم وغيرها من عناوين حمّلت الدين ما لا يحتمل، وأضافت إليه ما ليس منه. مناهج التعليم السعودية اليوم تُخرج أجيالاً أستطيع وصفها بالمتوترة بل وحتى الموتورة، كارهة للعالم من حولها، فكل ما يجري في هذا العالم كفر وفسق واستهداف وتآمر على المسلمين، وكل ذلك بفضل المتسربلين برداء الدين الفضفاض، وأولئك المتسربين في غفلة من الزمن إلى مؤسسات التعليم والتنشئة الاجتماعية، الرسمي وغير الرسمي، تسرب نمل أبيض في أساسات قصر منيف، حاملين معهم أجندة دينية لا علاقة لها بجوهر الدين، وغايات سامية في عناوينها وشعارتها، والسم الزعاف كامن في ذلك السمو المفترض، مستغلين في ذلك كون الشرعية السياسية للدولة قائمة على الدين، ولكنهم في حقيقة الأمر كانوا يسعون إلى تقويض هذه الشرعية بتكوين شرعية بديلة جديدة باستخدام ذات السلاح، أي سلاح الدين.

بمعنى آخر، فإن هناك نوعاً من الدولة الرديفة تحوّل إلى ” دولة عميقة ” للفكر الديني المؤدلج، التي امتدت جذورها إلى أعماق المؤسسات التعليمية السعودية منذ أن فتح الملك فيصل، رحمه الله، الأبواب على اتساعها أمام محترفي التنظيم والأدلجة الدينية، ونقصد بذلك الإخوان المسلمين في مصر وبلاد الشام، وأصبح فكر الإخوان مندسا في كل المناهج الدينية، وتربت أجيال على هذا الفكر، وما تفرع عنه من مدارس واتجاهات تتساوى في تضمنها ثقافة الكره ورفض الآخر، بصفته ممثلاً لدين الإسلام، وبكل ما يحمله هذا الفكر من رفض لكل العالم بصفته ” جاهلية ” جديدة، وبحيث أصبحت مؤلفات أشخاص مثل الأخوين قطب وغيرهما من جهابذة الإخوان، تولانا الله جميعاً برحمته، هي أساس كل مكتبة مدرسية وقراءة خارجية.

قد يُقال هنا إن السعودية كانت دولة دينية من الأساس، وأن اتفاق الشيخ والأمير في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي كان هو الأساس العقدي والأيديولوجي الذي قام على أساسه الكيان السعودي ومن ثم الدولة الحديثة، وبالتالي فإن الدولة السعودية والوهابية يشكلان نصفين لكيان واحد، ولا قيام أو استمرارية لهذا الكيان دون هذا التلازم بين السعودية والوهابية، وبالتالي فلماذا يُلام الإخوان المسلمون وحدهم، وتلك التيارات المنبثقة من تحت مظلتهم، على أدلجة المؤسسات التعليمية السعودية ومختلف مؤسسات التنشئة الاجتماعية، إلى حد جعلها مؤسسات إعداد وتهيئة وتجنيد لكوادر جديدة محتملة، طالما أن الدولة بكل مؤسساتها قائمة على الوهابية من الأساس؟ سؤال مشروع ومعقول، فالوهابية، بالإضافة إلى كونها حركة تطهيرية، أو حركة تجديد ديني كانت غايتها تنقية الدين مما علق به من شوائب عبر الزمان وإضافات الإنسان، وإعادته إلى جذوره الأولى وما كانت تتميز به من بساطة ونقاء ووضوح. إلا أن الوهابية، مثلها في ذلك مثل حركات دينية أخرى، كالسنوسية في ليبيا أو المهدية في السودان، كانت تشكل أيديولوجيا سياسية أيضاً، لها أهداف وغايات سياسية بالإضافة إلى أهدافها العقدية البحتة، ويتبين ذلك من خلال الحديث الأوّلي بين الشيخ والأمير، رحمهما الله، في بداية تعاهدهما الذي شكل أساس الشرعية السياسية للدولة السعودية، وبداية ” للثورة الوهابية “، كما سماها عبدالله القصيمي رحمه الله.

كل هذا الكلام صحيح، ولكن قبل أن يتغلغل الإخوان، ومن نهج نهجهم وسار على دربهم، في أنسجة الدولة، وخاصة مؤسسات التنشئة الاجتماعية ومنها مؤسسات التعليم، منذ أواسط الستينيات الميلادية، وصولاً إلى ذروة ” الصحوة ” وما تلاها من الدولة العميقة للإخوان، فكراً أو تنظيماً أو هما معاً، لم تكن الوهابية التقليدية إلا أداة ضبط اجتماعي في الداخل، ثم تحولت إلى أداة من أدوات السياسة الخارجية السعودية لاحقاً، وخاصة في أعقاب تظافر طفرتي الثروة النفطية و”الصحوة” الدينية في السبعينيات الميلادية. فبعد أن تم توحيد معظم أقاليم شبه جزيرة العرب في دولة واحدة، وبعد أن دُحر “إخوان من طاع الله ” في معركة السبلة، لم تعد الوهابية بذلك الوهج في الداخل السعودي، ولم تعد أيديولوجيا سياسية مهيمنة بعد أن أنهت مهمتها في تأسيس الدولة، اللهم إلا كونها أساساً للشرعية السياسية.

وبالتالي لم يعد لها ذاك الدور في صنع السياسة وتوجيهها، خاصة وأن الوهابية التقليدية كانت تفصل فصلاً تاماً ما بين وظيفة الأمير (الفضاء السياسي) وما بين مهمة الشيخ أو الفقيه (الفضاء الديني)، تأسياً بالموقف السني التقليدي في هذا المجال، وخاصة الموقف الحنبلي الصارم المبتعد عن الانغماس في أمور الحكم وإدارة الدولة. ولذلك لم يكن التعليم الديني الرسمي قبل ” الصحوة ” منشغلاً كثيراً بالتأويلات السياسية والأيديولوجية للنصوص الدينية، إلا ما كان منها يحض على السمع والطاعة لولي الأمر، وهذا أمر مفهوم، وكان التركيز فقط على الأمور العقدية فيما يختص بمبدأ التوحيد الخالص، وفقاً لتعاليم الشيخ محمد بن عبدالوهاب، ولكن دون تحميله بشحنات أيديولوجية أو سياسية أو فكرية بصفة عامة، تضع في النهاية شرعية النظام السياسي على المحك، وباستخدام ذات المفردات الدينية التي ترتكز على ذات مفردات النظام، وذلك كما في كتابات أبو محمد المقدسي أو رسائل جهيمان مثلاً.

بمعنى آخر، وكي لا نبتعد عن الموضوع كثيراً، كانت السعودية خلال فترة ما بعد التأسيس أقرب إلى الدولة والمجتمع المدني، وخاصة في عهد الملك سعود رحمه الله، منها اليوم، رغم الفارق في النمو الاقتصادي. أما بعد ” الصحوة “، وما سبقها من سنوات إعداد واختراق وتعبئة وهيمنة، فقد ” أعيد ” أدلجة الوهابية، أو لنقل تم ” تثويرها ” من جديد من قبل الإخوان وتلك التيارات التي انبثقت عنهم، فكانت تيارات السلفية الجهادية والسلفية الحركية، تمييزاً لها عن السلفية التقليدية، وكان قبل ذلك كله أدلجة التعليم بأكمله بروية وهدوء وصبر حثيث، لتتحول مفاهيم مثل الولاء والبراء والشرك والكفر وأركان الإسلام والإيمان وغيرها، إلى مفاهيم سياسية بمضامين مختلفة، وأداة من أدوات اللعبة السياسية سواء في الداخل أو الخارج، وتحولت المدارس والمعاهد والجامعات ومدارس تحفيظ القرآن إلى حضانات للفكر الإخواني، سواء بوعي وتخطيط من قبل الرموز والزعامات، أو دون وعي من قبل أتباع غير مدركين لأبعاد أخونة السلفية السعودية التقليدية، وأصبح كتاب مثل ” في ظلال القرآن ” لسيد قطب، وبكل حمولته الأيديولوجية المتفجرة، من التفاسير التي يُركن إليها في مجال معرفة مراد الحق في كلماته، وتحولت كتب مثل ” معالم في الطريق ” و” جاهلية القرن العشرين “، بكل حمولته المعادية لكل ما هو إنساني، إلى دستور ومنهج حياة لكثير من العقول المتلاعب بها باسم الدين ونصرة الدين.

التعليم في السعودية، وعلى مدى عقود طويلة من الزمن، كان مختطفاً من قبل الإخوان وفكرهم وتياراته المتعددة، بحيث أن أجيالاً من السعوديين أصبحت رهينة هذا الفكر وما يحمله من عداء لكل ما عداه، بحيث تحولت السعودية في أعين الكثيرين في هذا العالم إلى حاضنة لفكر التشدد والتطرف وبالتالي الإرهاب، وهو أمر لا يخلو من الصحة، لا لرغبة ” السياسي ” في ذلك، ولا حتى في رغبة ” الديني ” التقليدي، بقدر ما أنه نتيجة حتمية لاختطاف مؤسسات التنشئة الاجتماعية، وعلى رأسها المدرسة والمسجد، من قبل أصحاب فكر ديني يبحثون عن شرعية سياسية دينية تنافس ذات الشرعية السياسية الدينية للدولة، عن طريق استخدام ذات الرموز التاريخية والفكرية لتلك الشرعية، ولكن بمضامين تسير في اتجاه معاكس ومناقض.

ولفترة من الزمن ظنت الدولة أنها قادرة على احتواء مثل هذا الفكر وأربابه، بل واستخدامه كأداة من أدوات اللعبة السياسية، على أساس الاشتراك في ذات المقولات والتوجهات، فرعته ورعت أصحابه، ومكنتهم من كافة المنابر، فإذا الأمر في النهاية يتبين على أنه غير الأمر، وبدل أن تستطيع الدولة احتواءهم، إذ “بدولة ” رديفة وموازية تنبثق من رحم الدولة، في ازدواجية قلما نجد لها نظيراً، فتبدأ معاناة الدولة مع الدولة الرديفة المنبثقة والمتغلغلة في الأعماق، سواء في علاقاتها الخارجية مع العالم من حولها، أو علاقاتها الداخلية مع مواطنيها، وهي ازدواجية وبالتالي معاناة لم يكن لها وجود قبل حلول روح الدولة الرديفة في جسد الدولة القائمة، ومفتاح كل ذلك وبداياته كان في التعليم ثم التعليم والتعليم. فإذا أرادت السعودية أن تُعيد الدولة إلى الدولة، وأن تقضي بشكل صارم على منابع التشدد والإرهاب الفكري والفعلي، وإعادة الحياة والحالة السوية إلى مجتمع غلبت عليه ثقافة الموت والعدم وانتفت منه بهجة الإنسان إلى حد كبير لفترة طويلة، فإنه يجب أولاً تحرير التعليم من مختطفيه، وتمدين المعرفة، إن صح التعبير، بتخليصها من تلك الحمولات الدينية المكثفة والمغالية التي تُستغل لغسل الأدمغة وحشو الرؤوس بأمور لا علاقة لها بالدين، أو ليست من الضروريات بالنسبة إلى مسلم بسيط. ففي النهاية ماذا يحتاج المسلم البسيط أن يعرف عن دينه أكثر من أركانه وكيفية تأدية عباداته وحلاله وحرامه، فالله واحد جلت قدرته، ومحمد صلى الله عليه وسلم رسوله للبشر كافة، والدين هو الإسلام، والمسلم الحق هو من سلم الناس من لسانه ويده، وكانت مكارم الأخلاق هي ديدنه، وما خلا ذلك أمور ليس من الضروري أن يعرفها المسلم البسيط ليستقيم دينه، بل هي متروكة للمختصين من الفقهاء، ولا أقول من المؤدلجين وشيوخ الإثارة والصيد في كل ماء عكر.

هنالك اليوم محاولات جادة بالفعل لتغيير المناهج الدينية في السعودية، ومحاولة تنقيتها من تلك المقولات التي عُزلت عن سياقها وتاريخها وأعطيت مضموناً حركياً معاصراً هو ضد العصر وثقافته، ولكنها محاولات خجولة حقيقة، وحتى لو كانت جذرية كاملة فإن ذلك لن يكون كافياً، طالما أن جذور ” الدولة العميقة ” أو الدولة الرديفة للفكر الإسلاموي هي المسيطرة على مفاصل مؤسسات التنشئة الاجتماعية بشكل عام، وبالتالي قد تتغير المناهج، ولكن من يُمسك بمفاصل المؤسسة التعليمية، ومن يقوم بتدريس تلك المناهج هم الأهم، فإذا كانوا ” رعايا ” لتلك الدولة العميقة الرديفة، فإن الحال سيبقى هو ذات الحال، ونبقى من المنشدين بأسى مع خالد الفيصل ومحمد عبده: ” تنشد عن الحال.. هذا هو الحال “.

الحديث يطول حقيقة، ولكن لا بد لكل شيء من نهاية، وهي نهاية قد يكون في أعطافها بداية، فلا بد لكل شيء من بداية أيضاً.. هذا، وكان الله في عون من أعان نفسه.

6