من نزع البهجة من ديارنا: كي لا يصبح "الشق أوسع من الرقعة"؟

الأحد 2014/02/02

يثور اليوم في السعودية حديث دعاة ” الجهاد ” في سورية، وخطابهم الديني المحمل بكل ما هو مؤدلج وعنيف. خطابهم الداعي إلى ” نصرة المسلمين ” في سورية، وهم ليسوا كل المسلمين على أية حال، بل مسلمون وفق رداء معين قاموا بتفصيله وفق تفاصيل جسد معين لا يعلم خفاياه إلا هم، وهو ذات الخطاب الذي ساد أيام النفير في حرب أفغانستان والنصرة في حرب العراق والبوسنة والهرسك والشيشان وكوسوفو، وها هو ذاته يتكرر اليوم بالنسبة إلى ما يجري في سورية.

انتبهت السلطات السعودية اليوم إلى خطر هذا الخطاب وانعكاساته على الداخل السعودي، وهو خطاب لا يمكن إغفال دور هذه السلطات في المشاركة في تأسيسه في ظروف سابقة، وكيف أدى إلى مجزرة للشباب السعودي في سورية اليوم وغيرها قبل ذلك. شباب تشبعوا بخطاب دعاة جهنم الأرضية، والله أعلم بجهنم الأخروية، بالإضافة إلى عوامل أخرى ليس مجال مناقشتها هذه اللحظة، فساروا إلى حتفهم بلا وعي ولا شعور بأنهم في الحقيقة إنما ينتحرون في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، بل ولا حتى حوار صغير، ولا علاقة لها بدين بقدر ما هي الدنيا بكل زخرفها وبهرجتها بالنسبة إلى معظم هؤلاء ” الدعاة “، إلا من رحم ربي من ذوي القلب السليم.

مشكلة السعودية في كثير من الأحيان هي أنها لا تدرك مدى حجم المشكلة إلا بعد استفحالها، فلا تتحرك فرق الإطفاء والإنقاذ إلا بعد أن تكاد النار تلتهم كل المبنى. حدث ذلك في قضية انتشار تعاطي المخدرات، وحكايات التحرش الجنسي وغيرها من قضايا تحوّلت إلى ظواهر في المجتمع السعودي فرضت نفسها على السطح، بعد أن كان التكتم وسياسة لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم، هو النهج المتبع في مثل هذه الأمور.

حديث الساعة اليوم في السعودية هو حديث خطر هؤلاء “الدعاة” المتكاثرين، وخطابهم المتلاعب بعاطفة المجتمع الدينية من أجل تحقيق أجندة هي في الغالب غير دينية بالنسبة إلى أكثرهم، وهوس ديني مغموس بالعنف والدم لدى البعض الآخر، واختزل الجهاد ومفهوم الجهاد في معنى واحد فقط هو النار والدم والحديد وهو الذي ينقسم إلى عدة درجات أعلاها مجاهدة النفس وأدناها اللجوء إلى العنف وبينهما درجات، وربما كان هذا الهوس، بل الشبق للدم ورائحة الدم يشترك فيه الجميع: المتلاعبون بالوجدان الديني بغرض غير ديني، والآخرون المصابون بشتى أمراض النفس المنعكسة على شكل خطاب ديني متوتر يشكل العنف المحور الذي يدور عليه، وكل ما تفتقت عنه ذهنية أطباء وعلماء النفس من أمراض وعقد.

كانت عنفية هذا الخطاب وتشدده المارق من الدين مروق السهم من الرمية واضحة لأي محلل محايد منذ أيام ” الجهاد ” في أفغانستان، ولكن الظروف السياسية، وما كمن فيها من أغراض ومصالح دولية، لعبت دورا في اتخاذ قرارات سياسية، داخلية وخارجية، هي في النهاية ما أدى إلى ما نحن فيه اليوم من تخبط وتيه، ولعل في الظروف السياسية المحيطة آنذاك ما يبرر جزئيا تلك السياسة، وهذا يعيدنا إلى مسألة الغلو في تديين المجتمع، وخاصة بعد الأحداث الدولية الثلاثة التي تحدثنا عناه في المقالة السابقة (الثورة الإيرانية، حادثة الحرم، والغزو السوفيتي لأفغانستان).

دعاة جهنم الأرضية هؤلاء، أو دعاة العنف والدم، أصحاب الخطاب الديني المتشدد، الذين لا ترتاح نفسياتهم المضطربة إلا برؤية الدم المسفوح والأشلاء مبتورة الأطراف، ورائحة البارود، وأزيز الرصاص، الذي دعا أحدهم مثلا، وهو ” داعية ” سعودي مشهور، إلى القول بتلقائية في لقاء تلفزيوني، وهو بكامل أناقته وقيافته وملابسه الفاخرة مع الالتزام بالهيئة الشكلية لرجل الدين السعودي، ويكاد عطره الفواح ينفذ من الشاشة، معلقا في الدفاع عن خطاب العنف الديني في السعودية، وهو أحد مروجيه، ” وماذا لو مات خمسة أو ستة “، مستهينا وبكل بساطة بالنفس الإنسانية، والروح السامية التي نفخها خالق الخلق في جسد آدم الصلصالي الميت في الأزل، والتي قال فيها الحق سبحانه: ” من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ” (المائدة، 32)، ولا أظن أن هنالك فسادا أكثر من التحريض على انتحار عبثي باسم الجهاد والشهادة والدفاع عن حياض الدين في سورية وما قبلها، مع أن القضية برمتها مسألة سياسية بحتة حُشر فيها حشرا، وحُمّل ما لا يحتمل. أقول: إن هؤلاء “الدعاة “، وقبل أن يكونوا علة انتحار الشباب باسم الشهادة، ولا يعلم من هو الشهيد الفعلي إلا فاطر الكون والإنسان، هم في الحقيقة نتاج مجتمع يسوده خطاب العنف ورفض الآخر غُذّي، أي خطابهم، على مدى عشرات السنين، من قبل الجميع: المؤسسات الرسمية ومؤسسات المجتمع معاً، فكان لا بد لكل من يتحرك في مثل هذه البيئة، أي بيئة الغلو في تديين المجتمع، أن يتخذ من الدين شعاراً، ومن النصوص دليلاً حتى لو لويت أعناقها وأُخرجت من سياقها، ومن قال الله وقال الرسول وسيلة قمع واضطهاد اجتماعي وسياسي وثقافي، حتى لو استلزم ذلك بتر النصوص على وزن “ويل للمصلين “، أو إخراجها من سياقها وظرفها، مثل آيات السيف، دون مراعاة لكامل النص المقدس وشمولية الخطاب القرآني والنبوي الذي لا يُفهم حق الفهم إلا إذا أُخذ وفق نظرة كلية، هذا إن أراد النجاح والوصول إلى المبتغى الذي يسعى إليه.

أصبح الخطاب الديني في السعودية، ولا نقول الدين ونصوصه الثابتة المقدسة، هو وسيلة كل ساع إلى تحقيق غاية قد لا يكون للدين فيها شأن، بل هي أمر من أمور الدنيا وفضاء المباح المطلق الذي هو أساس الشرع. بل وصل الأمر إلى أن أصبح ” الشيخ “، أو المتمشيخ حقيقة أو المتمسح بأهداب الدين من داعية أو واعظ، وما أكثر عدتهم في مجتمع يُفترض أنه مجتمع مسلم أسس على ثوابت الدين المعروفة للصغير والكبير ولا يحتاج إلى كل هذا الكم من الوعاظ (الدعاة)، العارف والعالم بكل شيء، حتى في علوم الطبيعية التي جعلوا من ” الإعجاز العلمي في القرآن ” وفق معاييرهم حكماً عليها ومقياساً لها وسابقا لاكتشافاتها، مع أن القرآن الكريم هو في النهاية كتاب تشريع وأخلاق وتأمل وتفكر وتصور عام لبداية الخلق ونهايته في المقام الأول، وليس كتاباً في الكيمياء أو الفيزياء أو الأحياء وعلوم الذرة. ومن أطرف ما وصل إليه البعض من نتاج أولئك الباحثين عن إعجاز علمي افترضوه في القرآن الكريم وأقحموه إقحاماً، قول أحدهم في مقابلة تلفزيونية أنه ثبت ” علمياً “، ومن خلال ” أبحاث علمية ” عديدة (لا أدري أين وكيف ومتى) أن خلايا الدماغ تموت خلال جزء من الثانية حين ينظر الرجل إلى امرأة متبرجة، رغم أن هذا الدكتور قال في أول المقابلة إن الحضارة الغربية تبيح الزنا وكل المحرمات والموبقات والفواحش ما ظهر منها وما بطن، وعلى ذلك فإن خلايا أدمغة أهل الغرب، ووفقاً لهذا المنطق، لا بد وأن تكون قد تلاشت منذ أزمان طالما أنهم يبيحون ما هو أكثر من النظر إلى المرأة المتبرجة، وهي التي يرونها في كل مكان، ومع ذلك فإن كل منجزات العصر الحديث هي نتاج عقول رعتها حضارة تبيح الزنا والخمر والربا والميسر وممارسة كل الفواحش، بل وتشكل هذه الفواحش أساساً من أسس حضارتهم، حسب قول الدكتور الجليل، فيما لم يُضف العقل المسلم المعاصر، الذي بقي أسير بيئته المحلية، أي إنجاز في حضارة هذا العصر، مع أن العكس هو المفروض أن يكون، طالما أن مجرد النظر إلى امرأة متبرجة يقتل ملايين الخلايا في جزء من الثانية.

ليست القضية هنا هي دعوة إلى ممارسة معينة أو النهي عنها، كما قد أُتهم من قبل من عُطلت منهم العقول، أو أسلموا عقولهم لغيرهم يفعلون بها ما يشاؤون، بقدر ما هي امتثال لمبادئ قرآنية واضحة وصريحة يدعونا فيها بديع السماوات والأرض إلى التفكير وإعمال العقل: ” أفلا يتفكرون “، ” أفلا يعقلون “، وهي التي تتكرر كثيرا في كلمة الرب للعباد، وكان النبي الخاتم، صلى الله عليه وسلم، يجادل مكذبيه بالعقل وإعمال العقل في الأسباب والمسببات، وغير ذلك من طبيعة العقل في القرآن كثير. والغريب، وإن لم يكن غريباً تماماً في ظل بيئة محملة بشحنة دينية لا يحتملها ذات الدين، أن مثل هذه الطروحات المنافية للعقل يتداولها الكثيرون، حتى ممن نصبوا أنفسهم شيوخاً، وهم في الحقية ليسوا من الشيوخ بقدر ما أنهم من المتمشيخين، إن لم نقل الأكثرية من المسلمين، دون عقل أو تفكر، بل كنوع لا شعوري من الدفاع عن ذات هي في حقيقتها مجروحة في أعماقها، ولكنها لا تريد الاعتراف بمثل هذا الجرح، مع أن الاعتراف هو بداية شفاء أمراض النفس، بل وكل أمراض الإنسان بوصفه كائناً اجتماعياً.

أما علوم الاجتماع، فيجب أن يؤسلم كل شيء فيها، فكل نظريات علم الاجتماع والاقتصاد والنفس والسياسة والأنثروبولوجيا والتاريخ وغيرها، يجب أن تُعرض على ” معيار إسلامي ” معين شبيه بمعيارهم في تحديد من هو المسلم، فإن اجتاز بنود هذا المعيار فهو مقبول، وإلا فهو من صنع كافر أفاق متآمر ليل دامس الظلام، يريد هدم أسس الدين وأهداب الفضيلة. مثل هذا المعيار هو من صنع أولئك الذين نصبوا أنفسهم أوصياء على الدين، وليس من الضروري أن يكون نابعاً من ذات النصوص ذات الطبيعة الشمولية، التي يتغير تفسيرها من مكان إلى مكان، ومن زمان إلى زمان، وليس أدل على ذلك من تعدد مدارس التفسير الإسلامي على مر السنين والقرون، ولكن آفة الدين التعليب والأحادية في النهاية. من هنا مثلاً، لم يعد للعالم غير الشرعي قيمة في مجتمع ودولة نامية هي أحوج ما تكون إلى علوم الدنيا في هذا العصر، حتى أن العالم غير الشرعي الذي يريد النجاح عليه أن يمزج علمه الدنيوي بشيء من خطاب ديني مبتسر ويبشر بهذا المزيج على أنه جمع للحسنيين إن لم يكن كل الحسنات، مشوهاً في ذلك العلم والدين معاً، ولكنها البيئة التي أصبحت متخمة بمثل هذا الخطاب، بمثل ما يُتخم الفرد من طعام واحد لا يعود معه مكان لطعام آخر، فيكون المرض، ويكون سوء التغذية وما يفرزه من أمراض أخرى تنهك الجسد وتقتات على الكيان.

ثانياً: حين يكون الجهل هو النتيجة. لم يكن أبي وجدّي وجيلهما من المتعلمين أو خريجي المدارس، أما الجامعات فهي بالنسبة إليهم كانت حديث خرافة، بل إن أكثرهم لم يكن له مقدرة على ” فك الخط “، ومع ذلك فقد كانوا في ثقافتهم الأولية ” الفطرية “، حين كان العقل صفحة بيضاء تتلقى معارفها مباشرة من العالم حولها دون وسيط مفتعل، ووعيهم بالعالم المحيط بهم، أكثر فهماً وإدراكاً من أعتى خريجي الجامعات المحلية حتى من حملة الدرجات العليا في الماجستير والدكتوراه، بل إن الكثير من خريجي الجامعات اليوم لا يستطيع أن يكتب جملة واحدة دون خطأ إملائي أو نحوي، فما بالك ببقية المعارف، رغم أن دروس اللغة العربية والمواد الدينية تشكل اليوم القسم الأكبر من المناهج التعليمية السعودية، والسؤال المحرق دائماً هو لماذا كان ذلك؟ اليوم هنالك آلاف المدارس وعشرات الجامعات في السعودية وملايين الخريجين، ولكنّ خريجيها حقيقة غثاء كغثاء السيل أو زبد البحر. جامعاتنا ومدارسنا، ومن المؤلم على النفس قول ذلك حقيقة، أصبحت مؤسسات تجهيل أكثر منها مؤسسات تربية وتعليم. فرغم كل التربية الدينية في المدارس والجامعات، ناهيك عن النفس الديني السائد في المجتمع، إلا أن الأخلاق أصبحت متردية، وهو ما لم يكن حين كانت هذه المؤسسات نادرة الوجود، ونظرة واحدة إلى ” مناوشات الكثير من السعوديين” في “تويتر ” تكفي للإيضاح. ورغم كل التعليم المكثف في المدارس والجامعات، إلا أن خريجي معظم هذه المؤسسات لا يستطيعون منافسة طالب آسيوي أو أوروبي لا زال في مرحلته الثانوية مثلاً في المعرفة وإدراك العالم من حوله بشكل صحيح. قد يكون ذلك عائد جزئياً إلى أسباب تقنية تتعلق بالمناهج وفقرها العلمي وأشياء أخرى يدريها خبراء التعليم أكثر مني، ولكن المسألة في ظني أبعد غوراً من ذلك بكثير، فهي مسألة مرتبطة بالسبب الأول، أي الغلو في تديين المجتمع، وهي الأدلجة الدينية المفرطة للمؤسسات التعليمية والتربوية ومناهجها.. هذا ويتواصل الحديث في الحلقة المقبلة بمشيئة مبدع الكون وفاطر الإنسان.

6