من نشوة الخيانة إلى دمار العالم: أدب نسوي أفريقي بالإنكليزية

الأحد 2014/11/09
هنرييتا روز إينيس: افتتحت دربا جديدة في الأدب النسوي الأفريقي

في رواية النيجيري تشينوا أتشيبي “لم يعد مرتاحاً”، سئل أوبي عن معنى اسمه على افتراض أن “كل الأسماء الأفريقية تعني شيئاً”، أجاب بتواضع يشوبه شيءٌ من اليقين بأن لا علم لديه بالأسماء الأفريقية، فمعرفته لا تتجاوز أسماء قبيلة الأجبو. لقد عجز أوبي النيجيري عن إطلاق الأحكام على نيجيريا، ولن يخالجنا شك أن لا قدرة لديه على الحكم على قارة.

لذا من المخل والمخجل الادعاء بسيادة اتجاه نسوي واحد على أفريقيا المعاصرة. إن محاولات تحليل رواية واحدة للسنغالية مارياما با قد تستغرق مجلدات، فالشخصيات تخالطها صفات شتى، تتحدث بلهجات عدة، ترتحل شرقاً وغرباً. ومن البديهي أن نسوية المصرية نوال السعداوي بإقليمها وثقافتها وطبقتها الاجتماعية تختلف عن نسوية النيجيرية تشيماماندا نجوزي أديتشي.

كما أن لا تقاطع يُمكن لمسُه بين كتابات تسبر موقع المرأة الأفريقية في التاريخ وما قبله خطتها البريطانية دوريس ليسينج أو مواطنة جنوب أفريقيا أوليفر شراينر وما تخطه اليوم شابات القارة من أدب يحفل بالصور البصرية الساطعة، يتأمل الخسارة والإصلاح، ويقارن العلاقات الإنسانية بالمشاهد المادية.

وقد ينفرط منا عقد التحليل حين نتدبر نزوعنا نحن العرب إلى إسباغ لون واحد “غامق” على كل ما هو أفريقي ساحبين منه سمة التفرد. فلنحذر هذا الفخ إذن أثناء تناولنا هنا لحالتين متفردتين تكتبان باللغة الإنكليزية، إحداهما سمراء، والأخرى بيضاء. واللون هنا اعتباطي تماماً، وما نتناولهما إلا لسمة نسوية تخفي تمردها تحت طيات من النقد الجنساني والاجتماعي، تتناقض تارة وتلتقي أخرى، وإن كانت تنأى عن الصراخ النسوي المعادي للبطريركية الذكورية والهيمنة الإلهية المميز لأدب المصرية نوال السعداوي وتقترب من أدب كاتبة جنوب أفريقيا نادين جورديمر في سعيها إلى ردم هوية باتت واسعة بين الأنا النسوية وصراعات المجتمع.


الاغتراب والخيانة


تُبرز كتابات النيجيرية أدا أوديتشوكوو (1960)-المولودة لأب من قبيلة الإيبو وأم أميركية بيضاء- وعياً عميقاً بإرثها متعدد الثقافات وولائها لتقاليد الإيبو وإحساسها غير الخجول بهويتها الأميركية.

وصف الناقد تي. ندوكا ديوانها “امرأة، أنا” بأنه “ترحال لا نهاية له. يتسم بالهدوء والوقار، ينقّب، يسعى ولكنه ذو دوي. يحفل الهواء بأسئلة بلا أجوبة بيد أن معرفةً تسود بأن الخير لا يزال في الطريق. إنه شعر التناقضات، معتزِل يمد يده إلى الآخرين، يمسنا ومع ذلك نجده مكبوحاً كبحاً”.

وعلى العكس من لوحات أوديتشوكوو التي تدمج قطعاً من الإرث النيجيري العتيق، تصطبغ قصصها بصبغة معاصرة مصورة كفاحا لنيجيريات اليومي ومسلِّطة الضوء على موضوعيْ الاغتراب والخيانة. ولو أن فنها ينير المساحات وحالات الصمت، فقصصها تُرسل ضجيجاً يصم الآذان ويقوض أركان العلاقات الإنسانية. رشحت قصتها الأشهر “الحافلة الليلية” لجائزة كين للكُتاب الأفارقة وعدَّها كتاب المختارات القصصية “أفضل القصص القصيرة الأميركية 2007” واحدة من أفضل مائة قصة ظهرت في المجلات الأميركية عام 2006.

تبرز كتابات النيجيرية أدا أوديتشوكوو المولودة لأب أفريقي وأم أميركية بيضاء وعياً عميقاً بإرث متعدد الثقافات وولاء لتقاليد الإيبو وإحساسها غير الخجول بهويتها الأميركية

قد ينتاب المطلعين على فن أوديتشوكوو البصري قدرٌ من الصدمة عند قراءة “الحافلة الليلية”، فالحكاية خالية من أقواس رقيقة وحالات طمأنينة متحفظة. تلطمهم السطور الأولى بجو قاس ثقيل الوطأة، بل وباعث على الاختناق في بعض الأحيان: “مدت أولوما ذراعها إلى الحقيبة، مست يدُ الضابط صدرَها برفق. كشف فمُه عن ابتسامة خاطفة، فملأت حمرةُ لسانه الباهتة فجوةً تتوسط سنتيه الأماميتين ونبضت كحيوان حي”.

“توردت وجنتاها وهي تقاوم رغبةً ملحة في ضربه. تتابعت موجة تنم عن التذمر من مؤخرة الطابور، وخرَج الناس عن الطابور ليرشقوا أولوما بنظراتهم. أطرقت رأسها. غص الهواء بالعالي من الاحتجاجات. وصاح بضعة أشخاص، “يي-يي وومان (أيتها الحقيرة)” “أشاوو (يا عاهرة)” “يقال إنك عملتِها معه”. احمرّ وجه أولوما من جراء الإساءة وعمت السخونة وجهها”.


الحافلة الليلية


يتتبع السرد شابة نيجيرية اسمها أولوما ترتحل من جنوب شرق نيجيريا إلى مدينة لاجوس، يحيق بها رجال يسخرون منها ويسرقونها وينتهكونها. تكابد كل هذه المشقة من أجل حبيبها موناي الذي أقنعها بالانضمام إليه. وعندما يَحضر أخيراً متلفعاً بما أسماه الروائي الفرنسي جان جينيه في سياق آخر “بنشوة الخيانة”، سوف تُقَدم إليها الوقائع التالية سبباً جوهرياً للريبة، ليس فقط في الرجل، بل في إنسانية البشر.

إن “الحافلة الليلية” قصة سوداء غاية في السواد، بطلتها في حالة من القلق الشديد منذ البداية وحتى النهاية، كل مَن حولها إما لا يبالي بها أو يهددها بالخطر. حين سألت الصحفية جيني روثينبرج جريتس أوديتشوكوو إن كانت القصة تعليقاً على حالة النيجيريات المعاصرات، ردت عليها، “بمعنى ما، أجل. ففي السنوات العديدة الماضية، منذ بدأ في الواقع الحكام العسكريون يهيمنون على البلد، تفاقم مناخ الشك المحيط بالنيجيرية العادية وما يجابهها في حياتها اليومية تفاقماً مستفحلاً”.

وبالرغم من أن القصة لا تعالج الاضطرابات السياسية معالجة مباشرة وتنتهي بحادثة اغتصاب جماعية دون شرح لما سيحدث، تتابع أحداثها في جو من الفوضى والخوف لتعكس شيئاً مما لا يتناهى إلى المرء دوماً عن جوانب الحرب وضحاياها: ألا وهو تأثير الحرب على العائلات وما تفعله حقاً بالفرد العادي، بالإنسان فينا.

أدا أوديتشوكوو: ورثت أكثر من ثقافة ولا تخجل بهويتها الأميركية


صور الاضطراب


مهَّدت مواطنة جنوب أفريقيا هنرييتا روز-إينِس(1971) لسبيل مجدِّد سلكه أدب جنوب أفريقيا، “أدب يتعامل مع عالَم النفس الداخلي باعتباره محور التركيز الأساسي”، وفقاً للناقد الأسترالي توني موفيت. لا تعتقد أنها تحيد عن روح العصر، إذ تقول إن “الثقافة الشعبية تنزع إلى خلق صور تصف الدمار الشامل للعالَم”. دمارٌ صورته في أشهر قصصها “سُم” الفائزة بمسابقة “إتش إس بي سي/بين” وجائزة كين لأفضل قصة مكتوبة بالإنكليزية بقلم كاتب أو كاتبة من أفريقيا.

وصفت جود كيلي، رئيسة لجنة تحكيم جائزة كين، قصة “سُم” بأنها “استعارة غريبة تجرد القراء من إحساسهم بالزمان والمكان، استعارة لفوات الأوان. ثمة شيء ينطلق نحوك وسيدمرك. وظَّف السرد مشاهد بلاغية دفَعت القصة قُدُماً، وأظهر نضجاً غاية في الحدة والندرة وذكاء شعرياً يتحلى بالمهارة والتأثير في الوقت نفسه. إنه الأدب في أبرع حالاته”.

يضطر أهل مدينة كيب تاون في “سُم” إلى الرحيل في أعقاب كارثة كيميائية فتبعث صور فرارهم الاضطراب والهلع. وبينما يتعالى في الخلفية جبل تيبِل ماونتِن وتغشاه السحب السامة عن الأنظار، يتأخر البعض في الهروب، يلم بهم العراء واليأس ويُجبر متعددو الأعراق في النهاية على التعامل مع بعضهم البعض. وهنا تكشف ملاحظات البطلة لين حول التفاعل بين المنتظرين في محطة بنزين والتحالفات غير المتوقعة بين المواطن الأبيض وغيره الأسود عما نزَل بمجتمع جنوب أفريقيا من تحولات أثناء سنوات ما بعد إلغاء الفصل العنصري.

تتوخى المؤلفة ألا ترسم بطلة نادرة المثال أو بطلة بالمعنى المبتذل، فهي نسخة من أيّ جنوب أفريقية: امرأة من الطبقة المتوسطة في العقد الرابع من العمر “ضلت طريقها”. تفشل لين في التكيف مع متغيرات العالَم وتنتهي جالسة تأكل رقائق البطاطس في مشهد من الإنصاف وصفه بالمستفز على حين يفر الآخرون بجلدهم. ولعل المُعبِّر الأمثل عن حياتها هو جملة المفكر الروسي ألكسندر هيرزن في كتابه “ماضيّ وخواطري”، “سلسلة من الأوهام البصرية والحاجات الزائفة والأحاسيس المتخيَّلة”.


أوقات الأزمة


لا يسع لين اتباع طرقها القديمة، طرق ترمز إلى كيب تاون الواقعة عندئذ تحت تهديد العنصرية المجتمعية، لا القانونية، لكنها ليست مستعدة تمام الاستعداد لاتخاذ خطوة نحو الواقع الأرحب للبلاد بما يضمره من أخطار وفرص. يقول الصوت الراوي، “وفي خلال كل ما قضته من سنوات وهي تطوي الطرق بسرعة ما بعدها سرعة، كيب تاون، جوهانسبرج، ديربان، لم تتوقف مرة قط عند موضع عشوائي لتسير في المَرْج. ولِم تَصنع ذلك؟، كانت الطرق السريعة دروباً تخترق تضاريس بُنية ورمادية يتعذر سبر غورها، صورة ضبابية زائلة لا يَلمح منها المرء إلا عيوناً نعسانة لأناس يقفون على طرفها. إن مغادرة السيارة بمثابة تَفَسُّخ، اندماج في ذلك العالم المتبدل. إلى أي مدى تقوى على المشي، بأيّ حال، قبل أن يُزل الضعف قدمها؟ قبل أن يَغْلظ الهواء ويستحيل إلى جبل عجيب مخيف، يستحيل الخوض فيه، التنفس فيه؟”.

لا يمكن بأي حال من الأحوال سحب أدب أوديتشوكوو وروز-إينِس إلى بساط التعميم الارتجالي في خضم نظرتنا إلى حالة الأدب النسوي الأفريقي

ترسم “سُم” برؤيتها لدمار العالَم جنوب أفريقيا الحافلة بأطراف الاستقطاب وهي تستجيب لكارثة محلية. لا تتعلق بالانفجار بقدر ما تنم عن انهيار فئات اجتماعية بائدة وسمت كيب تاون في يوم من الأيام، بكل ما حوته من قطاعات متنافرة عرقياً وطبقياً، وامرأة تائهة مشردة وسط هذا التنافر.

البادي أن روز-إينِس واعية بما اتخذته قصتها من منحى، إذ قالت في أحد حواراتها الصحافية إن: “الناس في وقت الأزمة لا بد أن يَعقدوا روابط جديدة غير أن لين عاجزة عن الحركة. تخفق في أن تندمج مع بلد، في أن تخطو إلى ما وراء حدود معرفتها. لم أشرع قط في الكتابة ببرنامج سياسي واع وإن لم أرغب أبداً في أن يظنني القارئ “لا سياسية”. وأثناء الكتابة اتضح أن القصة لا تخوض في الحقيقة في كارثة بيئية، وسعدتُ أنها طورت وجهة نظر مجازية”.

لا يمكن بأي حال من الأحوال سحب أدب أوديتشوكوو وروز-إينِس إلى بساط التعميم الارتجالي في خضم نظرتنا إلى حالة الأدب النسوي الأفريقي. ولكن بمقدورنا أن نُسلِّم بأن أعظم ما يطغى عليه هو ميل بطلاته إلى التحرر من خلال محو كل شيء -شخصي أو قومي- والبدء من جديد، وصور مرئية تستشعر الاتصال بوجودهما الأنثوي، وما أدبهما إلا استيعاب لماهية هذه الصلات وتَبَيُن الأسباب الكامنة وراء معناه.

يلفه كذلك إنصاتٌ إلى الذات الأنثوية، لا يشجب الرجل باعتباره رجلاً، وإنما ينبئ بما لا يدع مجالاً للشك عن اضطراب قومي في نصوص موجزة تلفّها الألغاز. لا يحسر عن الواقع بأكمله عامداً وإن يدعي التعبير عن أفريقيا “الجديدة”. إنه أدب يَنْقر على وتر القلق الأعظم السائد على وجه الأرض متخذاً امرأة القارة الأفريقية مثالاً ونموذجاً.

14