من نوري السعيد إلى نوري المالكي و"داعش"

الاثنين 2014/07/14

تختزل مأساة العراق الطريقة التي قتل بها نوري السعيد في العام 1958 خلال الانقلاب العسكري على العائلة المالكة، ووصول نوري المالكي إلى السلطة وقيام “داعش”. بين نوري السعيد من جهة ونوري المالكي و”داعش” من جهة أخرى، مسافة تقلّ عن ستين عاما. المسافة كافية لفهم سقوط العراق وتحوّله من دولة واعدة، تحكمها أسرة هاشمية كان رئيس الوزراء فيها رجل انفتاح ينتمي إلى العالم، إلى دولة فاشلة ليس معروفا فيها من أكثر تزمتا من الآخر. هل المالكي الشيعي أكثر تزمتا من “داعش” السنّية، أم العكس صحيح؟

عندما اجتاح الأميركيون العراق في العام 2003 بدعم إيراني، لم يكن هناك أي استيعاب في واشنطن لما عليه حال البلد والمجموعات التي قرّرت واشنطن التعاطي معها من أجل بناء نموذج لدولة ديمقراطية عصرية في الشرق الأوسط.

إلى الآن، لم يستطع الأميركيون فهم العراق. ربّما لم يفهموه في يوم من الأيّام، أو فهموه أكثر من اللزوم، خصوصا في مرحلة الإعداد لإسقاط نظام صدّام حسين العائلي- البعثي.

هل كان الهدف الأميركي، في الأصل، تغيير نظام الحكم في العراق وجعله نظاما صالحا لدولة ديمقراطية يمكن الاعتماد عليها في المنطقة، أي في “الشرق الأوسط الجديد”، أم أن المطلوب كان في كلّ وقت تدمير العراق وتفتيته كي يتفتّت معه الشرق الأوسط؟

انتهى العراق الذي عرفناه في يوم أسود هو يوم الرابع عشر من يوليو 1958، أي يوم حصول الانقلاب العسكري الدموي الذي أطاح العائلة المالكة الهاشمية. كانت تلك العائلة، بحسناتها الكثيرة وسيئاتها القليلة، رمزا للعراق الموحّد القادر على تجاوز الانقسامات الطائفية والمذهبية والمناطقية والقومية.

بعد الانقلاب العسكري ووصول الضبّاط إلى الحكم، تمهيدا لاحتكار صدّام حسين السلطة كلّها، لم يعد من مجال لتوحيد البلد بأي شكل. فـ”داعش” هي نتيجة طبيعية لحكم نوري المالكي، مثلما أنّ حكم نوري المالكي نتيجة طبيعية لحرب شنّها الأميركيون على العراق، بمشاركة مباشرة من إيران التي راهنت دائما على أنّها ستكون قادرة في يوم من الأيّام على حكم العراق، أو جزء منه، من منطلق مذهبي صرف.

منذ 1958، تراكمت المصائب على العراق. كان عبد الكريم قاسم مصيبة على الرغم من كلّ ما يقال عن زهده وسعيه إلى تحديث البلد، واهتمامه بحقوق الفقراء والمرأة. فالرجل لم يكن يمتلك شيئا من القدرة على فهم ما يدور في المنطقة والعالم. كانت ثقافته السياسية بدائية إلى حد كبير. لم تكن ثقافة الذين خلفوه أفضل، وصولا إلى صدّام حسين ثمّ نوري المالكي.

في المراحل التي مرّ بها العراق منذ 1958، كان كلّ ما بقي من مؤسسات الدولة وإنجازات في حقول معيّنة، خصوصا في المجال التربوي، من مخلّفات العهد الملكي، الذي كان نوري السعيد من رموزه، والذي لم يحسن العراقيون المحافظة عليه والسعي إلى تطويره.

هل اللوم، كلّ اللوم، على العراقيين الذي فرحوا بالانتصار على العهد الملكي الذي لم يروا يوما أبيض بعده؟ أم اللوم على جمال عبدالناصر الذي اعتقد أنّه صار زعيما عربيا قادرا على تعميم الفشل المصري المدوّي في المنطقة؟

كان الفشل المصري على الصعيد الإقليمي فشلا مدوّيا بالفعل. كانت هزيمة 1967، التي لا يزال العالم العربي يعاني منها، تتويجا لهذا الفشل الذي حطّ رحاله في العراق في العام 1958 وقبل ذلك في سوريا ولبنان. لم يوجد في العراق، للأسف الشديد من يقف في وجه المدّ الناصري، مثلما لم يوجد في سوريا من يسأل ما الذي يمكن أن تأتي به الوحدة مع مصر من حلول، باستثناء التأسيس لنظام أمني قضى عمليا على سوريا، خصوصا مع تحوّله إلى نظام طائفي في مرحلة لاحقة.

بعيدا عن المزايدات التي راج سوقها مع صعود “داعش” وطرح الزعيم الكردي مسعود البارزاني فكرة الدولة المستقلّة، لا مفرّ في نهاية المطاف من العودة إلى الواقع. يقول الواقع إن العراق الذي عرفناه انتهى. يقول أيضا إنّه لابدّ من الانتظار قليلا قبل إعطاء حكم نهائي في شأن “داعش” وما تمثّله. أكثر من ذلك، يشير الواقع إلى أن ما حصل في المناطق السنّية، ليس سوى دليل على أن الكيان العراقي تفجّر من الداخل.

منذ غاب الهاشميون ورجال مثل نوري السعيد في ذلك اليوم الأسود، انتهى العراق عمليا. هل من مبالغة في ذلك؟ ثمة من سيقول ذلك. لكنّ ما لا يمكن تجاهله أنّ غياب العائلة الهاشمية كان بمثابة غياب للمظلّة التي تجمع بين العرب والأكراد والتركمان والسنّة والشيعة والمسيحيين واليهود الذين عانوا من ظلم ليس بعده ظلم في العراق، حتى قبل انقلاب العام 1958.

لم يعد في الإمكان إنقاذ العراق. كلّ ما يمكن عمله هو إيجاد صيغة جديدة للبلد، ذات طابع فيدرالي أو كونفيدرالي، بعيدا عن مذهبية نوري المالكي الذي عجّل بتفجير الكيان وأوصل رجلا مثل مسعود البارزاني إلى مرحلة اليأس من بلد موحّد اسمه العراق… كما جعل أهل السنّة يعجبون بتنظيم إرهابي لا حدود لمدى تخلّفه مثل “داعش”.

كل ما يمكن قوله في هذه الأيّام أن المالكي لم يترك خيارا آخر للسنّة كما لم يترك خيارا للأكراد. الأكراد اختاروا التمرّد على سياسي عراقي، لا يريد التعلّم من تجارب الماضي القريب. فالمالكي يعتقد أنّ في استطاعته أن يكون صدّام حسين آخر بمجرد توفر الدعم الإيراني له، ووجود الخزينة العراقية في تصرّفه.

يبقى السؤال ما الذي سيفعله السنّة العرب وما الذي سيفعله الشيعة أنفسهم؟ الأكيد أن السنّة سيتجاوزون مرحلة “داعش”. أمّا الشيعة، فليس أمامهم سوى البحث عن زعامات جديدة تجعلهم قادرين على الحوار مع المكوّنات الأخرى للمجتمع العراقي.

كلّ ما عليهم أن يتذكّروه، بداية، أنّ في الإمكان إيجاد صيغة ما للبلد في حال تجاوز عقدة “الأكثرية الشيعية في العراق” التي أصرّ عليها الإيرانيون من أجل تسهيل انعقاد مؤتمر المعارضة الذي سبق العملية العسكرية الأميركية في 2003.

للتذكير فقط انعقد مؤتمر المعارضة في لندن في ديسمبر 2002، قبل أربعة أشهر، تقريبا، من بدء الحملة العسكرية الأميركية.

كانت تلك العبارة فخّا للشيعة الذين قبلوا تهميش السنّة العرب الذين لا مفرّ من التفاهم معهم من منطلق أن العراق بصيغته التي عرفناها صار جزءا من التاريخ لا أكثر ولا أقلّ.

لماذا مزيد من الدماء في الوقت الذي يمكن تقاسم الأرض والسلطة والثروة في آن… إلا إذا كانت إيران في وارد قبض ثمن الدولة الكردية المستقلّة بالطريقة التي ترتئيها، والتي قد لا تكون بعيدة عن ضمان وضع يدها على جزء من الثروة النفطية للعراق!


إعلامي لبناني

9