من "هلوسات" التقسيم إلى الحل السياسي

الاثنين 2014/12/01

لم تتشكل هوية وطنية جامعية تعبرعن نفسها في دولة للمواطنة والعلمنة؛ هذا حال البلاد العربية بالعموم. تجاوزت تونس المسألة نسبياً وهناك من يطرح مجددا فكرة التقسيم فيها. وهي مطروحة في كامل الدول العربية، وفي سوريا يعود الكلام عنها بلسان الباحث الأميركي “جوشوا لانديس″، ويحذر منها كثير من الكتاب والباحثين في الصحف.

عدم تشكل هويّة جامعة لا يعني أن السوريين بلا أيّة هوية، وليس بينهم قواسم مشتركة، ولا يعني إمكانية التقسيم، فالتقسيم لم يكن هدفا “للثورات العربية”، لا في ليبيا ولا في تونس ولا في سوريا ولا في اليمن. لكنّ ضعف التعبير السياسي الوطني، يسمح بهكذا أفكار. ودخول العامل الإقليمي كفاعل في الداخلي المحلي يساهم في ذلك أيضا. فالأميركان والأوربيون والسيد جوشوا، لا ينظرون إلى شعوبنا إلا كطوائف وإثنيات وأديان، وبالتالي جوشوا لا يقدم جديداً؛ فرؤيته تنبع من الرؤية الاستشراقية لسكان المنطقة عموما، وضعف الهوية الجامعة له دور أيضا.

جوشوا يطرح دولتين في سوريا، واحدة جنوبية عاصمتها دمشق، وتتضمن الساحل وغرب حمص والقلمون ودرعا وغوطة دمشق. (يُطرح هنا سؤال مفاده؛ كيف ستقبل هذه المدن الثائرة، والتي بلغت الثورة فيها أوج قوتها، ولنقل أنها مناطق خارجة عن النظام وفيها كثافة بشرية عالية، بإعادة تأهيل النظام الحالي وبناء الدولة المتوهَمة)، وأخرى في شمال سوريا، عاصمتها حلب وتدخل فيها إدلب وربما الرقة والدير وباق المدن، طبعا إن لم تتم إضافة دولة لداعش ودولة للكرد!.

دولة الشمال تلك، ولكون مدنها مدمرة وقريبة من تركيا فستتحكم فيها الأخيرة. هذه القسمة غير ممكنة، فلا مدن “الجنوب” تقبل العودة إلى حضن “النظام” ولا المدن الشمالية تقبل بذلك. وحتى النظام نفسه يرفض فكرة التقسيم، والمعارضة كذلك.

هي أفكار تطرح هنا وهناك، وقبل أن يتقدم بها جوشوا وتلقى صدى إعلاميا، مؤخرا. طرحتها مجموعات طائفية وسياسيون “فاشلون” لتأهيل أنفسهم لدور سياسي، وفشلت؛ وليس لأن السوريين رفضوا فكرة التقسيم في زمن الاحتلال الفرنسي سيرفضونها حالياً، بل لأن الثورة التي انطلقت هدفت إلى دولة جديدة، و إن إغراقها بفوضوية الصراع المسلح أو الطائفي والمحلي فهي محاولة لاجتثاث فكرة الثورة وزرع الطائفية زراعةً كي تنتهي إمكانية قيام سوريا كدولة مركزية، ويرى سكانها أنفسهم مواطنيين لا طوائف وأديان و”قوميات”.

التدخل الدولي، الأميركي والروسي، الذي يتنازع في سوريا، ويعيد تقسيم العالم ككل، وعدم التوافق بينهما هو الذي يسبب استمرار الحرب، ويسمح بأفكار التقسيم بشكل متكرر.

ما يسمح بهذا التفكير كذلك، هو أنّ التمثيل السياسي السوري (اليسار والليبرالية تحديداً) في غاية الضعف. الليبرالي منشغل بفهم ضيق للهوية وللسياسة، واهتم طيلة عشر سنوات بكيفية إعادة الإسلام السياسي إلى السياسة، وتحديداً تنظيم الإخوان المسلمين، ولم ينتبه إلى أنّ ذلك يعدّ أسوأ ما قام به، حيث خلق التباساً في الوعي الحداثي، أمّا اليسار فمنقسم على ذاته، وقسم منه داعم للنظام كمؤسسات سياسية فيه. أي إن ذهب ذهبوا وإن بقي بقوا معه، وقد بقي بالمقابل القسم الجذري من اليسار هامشياً ومفتتاً، ولم يستطع تشكيل قوة سياسية واجتماعية فاعلة، وقادرة على قيادة الثورة، أو تشكيل ثقل نوعي لإيقاف كل هذا التشويش والالتباس في الوعي والممارسة. وبالتالي سيطر الإخوان المسلمون على المجلس الوطني وعلى كثير من الفعاليات العسكرية والإغاثية، وقدموا أنفسهم كقيادة للثورة، وهو ما ساهم بدخول الجهادية للدفاع عن “السنّة”، وبذلك أكملوا أيديولوجيا النظام في أنّه يواجه ثورة طائفية ضدّه؛ وبمرور أربع سنوات وبكثير من الممارسات الطائفية، صار الوعي يتقبل كثيراً من الأفكار ومنها فكرة التقسيم، وإن كان لا يعي أنها مجرد فكرة، وليس لها أي نصيب من الواقعية، وأنها تخدم فقط التشويش المستمر على تشكيل مشروع وطني للثورة ودفعها نحو التجذّر الوطني مجدداً.

وعلى وقع الدمار والقتل والمجازر، وسيطرة الإعلام الطائفي، تتقدم مثل هذه الأفكار، ولكنها مجرد أفكار لتأمين سلاسة التدخل الإقليمي والدولي في الشأن السوري، وتدمير سوريا أكثر فأكثر وقتل روح الثورة.

أمام هذه الفكرة والحديث المتصاعد عن الخلاف السنّي الشيعي والنصيرية، وأن الأكراد يريدون دولة خاصة بهم وأخرى خاصة بـ”داعش”، وأنه لا وجود لحلول سياسية، وأن الدول العظمى مع الخيارات التقسيمية؛ لا يسعنا إلا أن نقول سوى: “إنها في مجملها أفكار تستهدف إعادة تأهيل النظام ليكون مجدداً حاكماً لسوريا”.

وعلى العكس من ذلك نجد أن الوضع السوري أصبح في غاية التأزم، فهناك تحالف دولي و”داعش” وخلاف الأميركي تركي متصاعد، وخلاف روسي أميركي لم يحل، ومؤخراً هناك تمديد للاتفاق النووي الإيراني، وبالتالي لا بد من حل في الأشهر القادمة للشأن السوري.


كاتب سوري

6