من هنا كانت النهاية

الاثنين 2015/05/11

سنوات طوال وأنا أتكئ عليها أبوح لها بأسراري البريئة حين كنت أعتقد أن ضياع ممحاتي وكسر قلمي الرصاص وفقد عشرة قروش من مصروفي دفعة واحدة، كارثة وأسرار خطيرة لا يجب أن تطير إلى أذن أمي. حملت من عمري حظا وافرا.

أرضعتني أمي بهاء اللون الأخضر ورحيقه، فأحببتها صغيرة، عاشقة لذلك الفضاء الفسيح والأرض الممدودة تحت أقدامها العتيقة.

لم تكن شجرتي الكبيرة تؤمن بالمساحات الضيقة، تقف بزهو في قلب أجمل حدائق الحي الراقي، يفسح لها الجميع مساحة من الأرض تتسع للعب الصغار وحب العشاق، وجلسات تصالح الأزواج بعد مشاجرات على “مصروف البيت”، وتسمح لها بالتمدد أكثر وأكثر، أما السماء فهي تتخذ منها ما تشاء كلما طالت أعناقها وإزداد نموها. لا أعلم لماذا كنت وأخوتي وأصدقائي نتحدث لها، بينما ضحكات أمي تعلو فوق أفرع الشجرة الوارفة حتى عنان السماء.

حفرت ودفعات كثيرة من البشر أسماءنا على ساقها الغض الذي لا يشيخ، استمتعنا بالنقش الجميل وألوان أحلامنا بطول الأرض وعرضها.

وحين أنجبت طفلا يرث بعض براءتي وسذاجة أحلامي الوردية والكثير من ملامحي، علمته كيف يرسم أحلامه إلى جانبها، وأن يشكو لها بعضا من انكسارات الطفولة.

للأشجار في قلبي مكان فسيح، فمصريتي وحب أجدادي وتقديسهم للطبيعة، مفرداتي المغزولة على نول الأحلام، مشدودة بوتر لا يصدر صوتا، حتى أحلامي ومنامي كانت الأشجار تلونها كيفما تشاء، تعبث بعقلي الباطن، حين أرى في المنام كيف أتسلق تلك الشجرة التي تعلو قامتها قامة منزل جدتي الممدود بعرض الأرض ولا يملك ارتفاعاً أكثر من ثلاثة طوابق، كنت أحقق في أحلامي ما تعجز قامتي التي تشبه رقة عود الريحان عن تحقيقه.

طائعة كنت أسلم رأسي لأمي لتلملم شعري الفوضوي المتمرد على ضفائري الطويلة، ولا أعلم لماذا تجمعه في صبر عجيب، بينما عيناي معلقتان بأهداب شجرتي العتيقة.

كنا نحكي ونشكو ونطلق العبرات المحبوسة في مآقينا، وأبدا لم نسألها عن أحزانها وشكواها، مثلت شجرتنا العتيقة وأخواتها حدائق ذات بهجة، نثرت عطرها في الهواء، نقت رئاتنا مما علق بها من أحقاد البشر وسوآتهم.

في لحظات الغروب مازالت شجرة الصفصاف تداعب مخيلتي وهي تميل على صفحة الماء تغسل أحزان اليوم وهموم المهمومين، تشرب من ماء النيل العذب، تغتسل لتعود جميلة بهية في كامل زينتها.

من هنا كانت النهاية، نهاية شجرة وسط أشجار عديدة شكلت تاريخ متنزهات مصر الجديدة. أصبحت أخشى مع غيري على النيل العظيم أن يكون قربان المشروعات الحضارية القادم.

اجتثوها من مكانها لإقامة مشروع أسموه حضريا، اغتالوا جزءا من ذاكرتنا، وبعض براءتنا، ودمعة هادرة فقدت شاهدها الوحيد.

21