"من هنا نبدأ".. محاكمة فكرية مبكرة للخلط بين الدين والكهانة

نقد خالد محمد خالد نزعة تهويل القول بسيادة النزعة الروحانية في الفكر العربي والإسلامي، أو الشرقي عموما، ويرى فيها أنها من الأمور التي حاول تكريسها الكهنة، كي يُبعدوا الناس عن الانشغال بدنيا العمل.
السبت 2018/04/21
كتاب تفطن مبكرا إلى خطورة الزج بالدين في معارك السياسة

دعوة استحضار لرؤى خالد محمد خالد في كتابه “من هنا نبدأ”، الصادر في خمسيانت القرن الماضي، لعلنا نبدأ من جديد. فرّق الكاتب المصري خالد محمد خالد بين الكهانة والدين، فالكهانة متواشجة مع السلطة مُدافعة عن مصالحها، تدعو الناس للفقر والزهد وهي وسلطان الزمان وكبار الرجال يعيشون بحياة كلها ترف وغنى،.

فالكهانة تعمل “على إذابة شخصية الأمة، وتهوى بها إلى درك سحيق من التبعية والخضوع ليسهل قيادتها… وهي في كل عصر وجيل تشعر نفسها بأنها حارسة هذا التراث الخالد، والمسؤولة عن إبقاء السادة سادة والعبيد عبيد” (كتاب من هنا نبدأ في الصفحة 50).

إن الكهانة تحتكر عقول الناس، وتضرب حولها حصارا قاسيا، ونطاقا من الحديد، ولأنها كانت في ماضينا البعيد لم تكن لتأذن لأحد أن يُفكر بغير عقلها، أو أن يلتقط المعرفة من غير أفواه سدنتها..فإنها اليوم كما كانت بالأمس..بل إنها اليوم أكثر من الأمس أنانية وأكثر تحكما وعسفا..!”.

 

منذ تأسيسها خاضت جماعة الإخوان المسلمين خصومات فكرية عديدة، بالتوازي مع خصوماتها السياسية التي لم تتوقف، ولكن أكثر الخصومات الفكرية ضراوة كانت مع المفكرين الذين ينطلقون من أرضيات إسلامية، أو يحاولون تبديد المسلمات والأراجيف الأيديولوجية الإخوانية. في هذا الإطار مثل كتاب “من هنا نبدأ” للكاتب المصري خالد محمد خالد، مفصلا من معركة فكرية كبرى، بين الكاتب والإخوان، لان الأول تجاسر على ولوج منطقة تعتبرها الجماعة منطقة محرمة، وهي فكرة العلاقة بين الدين والسياسة. حين أصدر خالد محمد خالد (1920 – 1996) كتابه “من هنا نبدأ” في العام 1950، كان كاتبا شابا مازال في بداية مسيرته الفكرية والتأليفية، جوبه الكتاب بسرعة بقرار لجنة الفتوى بمصادرته وحظره واعتبرته “كتابا مهرطقا يهاجم الدين”، ومضت اللجنة الأزهرية أبعد من ذلك بأن طالبت بمحاكمة الكاتب. يشار إلى أن الكتاب الذي راج بسرعة قبل حظره وذاع صيت مؤلفه، كان في البداية يحمل عنوان “بلاد من”، لكن صديقه الكاتب السعودي عبدالله العصيمي اقترح على خالد تغيير العنوان إلى “من هنا نبدأ”. شهرة كتاب “من هنا نبدأ”، وذياع صيت مؤلفه، والمواقف التي اتخذت ضده من قبل قوى دينية عديدة، من قبيل الإخوان والأزهر، عناصر عائدة جميعها إلى أن الكاتب طرح نقطة مركزية في كتابه، مفادها ضرورة الفصل بين الدين والحكم، وأنه لا وجود لحكم سياسي من منطلق ديني، ليتوصل إلى ضرورة التفريق بين الطعن في دعاة الدين والدين نفسه، لأن الدين حقائق خالدة وثابتة، أما هؤلاء الدعاة وأصحاب الحكومات فهم مجرد بشر يعتري كل أفعالهم الخطأ والخلل. ورغم تراجع خالد محمد خالد لاحقا عن التصورات التي أودعها في كتابه موضوع الدراسة، من خلال بعض مؤلفاته ومقالاته وتصريحاته، إلا أن ذلك لا يحجب أهمية المتن في تلك الظرفية الموسومة بقوة جماعة الإخوان وتغلغلها في الأوساط الفكرية المصرية. “من هنا نبدأ” محاكمة فكرية للخلط بين الدين والسياسة، وأهميتها كونها نبعت من كاتب ينتمي للفضاء الفكري الإسلامي في معناه العام.

يخشى الكهنة والسدنة من حرية العقل، لأنهم يرون فيها ما يُهدد وجودهم ويقض مضاجعهم، ويُنبأ بسقوط سلطتهم، لذلك تجدهم يدفعون الناس للتجهيل، والعيش في وسط الظلام مجرد تابعين مُقلدين لا مقدرة لهم على التفكير إلا عبر وسيط، الكهنة أو السدنة.

فيما تجد الدين بحقيقته النورانية التي تُضيء دروب المُتعقلين، يجعل للعقل سلطانه وحريته في اقتحام حُجب المسكوت عنه والضامر من المعرفة، تجده محجوبا عن الناس، بفعل هؤلاء الكهنة الذين صوروا للناس أن الدين عدو للعلم، ولكل ما هو جديد.

“فالكهانة تحارب العقل لأنه يُري الناس عوراتهم، ويُبدي لهم سوءاتهم، ويعمل جادا لفض سوقها.. هي تخشاه لأنها لا تصبر على بحث ولا تصمد أمام نقد. أما الدين الصحيح فيعلم أن العقل صديقه الوحيد الذي يُهيىء له النفوس ويمكن له القلوب”.

نقد خالد محمد خالد نزعة تهويل القول بسيادة النزعة الروحانية في الفكر العربي والإسلامي، أو الشرقي عموما، ويرى فيها أنها من الأمور التي حاول تكريسها الكهنة، كي يُبعدوا الناس عن الانشغال بدنيا العمل، ودفاعهم عن حقوقهم كمواطنين، “فلا روحانية مع الحرمان” (من هنا نبدأ صفحة 58). أما الروحانية التي يُدافع عنها خالد محمد خالد “فهي التي لا تبدأ من نفسها، بل تبدأ من المعدة المُمتلئة”.

لذلك أكد على ضرورة تنظيم رسالة المسجد وتهذيب وسائله، وجعله يعمل مع المُجتمع لا ضده كما صيّره الكهنة، وأن نجعل منه الناطق بلسان حال المُجتمع كما هو الحال مع الكنائس في الغرب اليوم.

الفرق بين الدين والكهانة

أولا؛ الدين إنساني بطبعه وشرعته، أما الكهانة فهي أنانية بغريزتها، فالإنسان في الدين هو خليفة الله وهو أثمن درة في تاج الكون الكبير، بينما الكهانة جعلت من الأرض مُلكا للآلهة الذين يرقدون داخل الهيكل. فالكهنة هم أول من خلق طبقة “رقيق الأرض” واسترقوا الجماهير الكادحة لحسابهم وحساب الإقطاعيين، وظلوا يستعبدونهم إلى أن جاءت الأديان برسالة التحرير والخلاص.

ثانيا؛ إن الدين “ديمقراطي” النزعة، وهو كما يجب أن يُفهم، لا يعترف بالفوارق المُفتعلة بين الناس.

أما الكهانة فهي لا تؤمن بالديمقراطية، حتى ولا أضعف الإيمان.. لقد تعود الكهنة أن ينحني الناس لهم، ويخروا على أيديهم سُجَدا ثم يُشبعونها لثما وتقبيلا.. والويل لمن يقول لشيخه أو كاهنه لِم..؟

ثالثا؛ إيمان الدين بالعقل، وكُفر الكهانة به كُفرا بواحا.

فالدين يُكرم العقل، ويجعله مناط المؤاخذة والجزاء، ووفق هذا فللإنسان حريته في التفكر والتعقل والمناقشة. أما الكهانة فهي لا تُنصت لصوت العقل، ولا يُطربها سوى تلقيها لصدى صوتها، ولا تسمح للعقل أن يقتات ويتغذى إلَا بما تُقدمه هي له من فتات وعُفونات، وهي تُحارب البحث والتأمل والبرهان.

رابعا؛ إن الدين يؤمن بالحياة ويُحبها، ويراها مكانا جديرا بالحب، كُلها مباهج وأزاهير.

أما الكهنة فجعلوا من الحياة أبغض الأشياء إلى قلوب الناس حتى إذا انصرف الناس عنها، خلوا هم إليها واجتالوا لأنفسهم طيباتها. وأخطر ما في التداخل بين الدين والكهانة، هو زحف الكهانة على الدين، كي تمتزج بتعاليمه، فتجتل عقول الناس على أنها الدين الذي يجب أن يذعنوا له ولا يُناقشوه (من هنا نبدأ صفحة 80).

أكد خالد محمد خالد على ضرورة مُكافحة الاستغلال الفردي، لأنه مهب كل عاصفة جائحة، وكل إعصار وبيل، فالشعب القلق على لقمته، عقله في بطنه.. ومن أجل ذلك قال العرب مثلاً قديما “لا تنم بجوار جائع يأكلك”، لأن العقل آنئذ لا يُفكر في غير القضم، وتفسير الجريمة تفسيرا كافيا لإقناع الضمير بأنها واجب لا جريمة… هذا إذا كان الجوع سيدع في ضحاياه ضمائر.

لذلك نجد خالد محمد خالد مُدافعا عن ضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية التي يمكن لنا من خلالها تقليل الفوارق بين الطبقات، بين الغني والفقير، بين الإقطاعي والمُزارع “الفلاح”، بين مالك الأرض والعامل، و“لا شيء سوى الاشتراكية”، لكونها المكافئ للعدالة الاجتماعية، يُمكن أن نعقد عليها الحل، لأن “النظام الذي تبلغ به المنفعة الاجتماعية حدها الأقصى، في الوقت الحاضر ـ هو الاشتراكية”.

ذهب خالد محمد خالد إلى ما ذهب إليه مصطفى عبدالرازق، من أن الدولة الدينية ليست تشريعا دينيا، ولأن الرسول ما كان ملكا ولا سُلطانا، بدليل مُخاطبته لعمر حينما طلب من الرسول أن يتخذ له فراشا وطيئا لينا فقال رسول الله “مهلا يا عمر! أتظنها كُسروية؟ إنها نبوة لا مُلك”. وعند مُخاطبته بما سُمي بحادثة تأبير النخيل “أنتم أعرف بشؤون دنياكم”.

الدولة مشروع حديث

وهذا يعني “أن الدولة بنظمها الدائبة التغيير عرضة للنقد والتجريح، وعرضة للسقوط والهزائم والاستعمار، فكيف نُعرض الدين لهذه المهاب أو بعضها؟”.

فـ“الدين وحده، من غير أن يكون دولة، هو القادر على أن يُوقظ في ضمائرنا واعظ الله ويُجدد قلوبنا: ويُشبع حاجاتنا الروحية التي إذا نمت وازدهرت صرفتنا عن الكثير من شهواتنا الخفية والمُعلنة”.

أما إقامة الحدود وفق ما يعتقده دعاة الدولة الدينية، فكلها موقوفة بحكم تاريخية توقيفها مع الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، أو بحكم عدم الاستطاعة لعدم توفر الظروف الإيجابية التي تجعل الإنسان يعيش في دولة إسلامية لا فاقة فيها ولا مجاعة، وما شرط إقامة الزنا إلَا حامل لشروط توقيفه قرآنيا، فقد شرط الله لإقامته أن تُثبت الخطيئة بإقرار مقترفها، أو بالبينة التي اشترط فيه شهود عدول أربع، و“أن يروا المرود بالمكحلة، والرشاء في البئر” أي اكتمال العملية الجنسية، وهذان أمران من الصعب تحقيقهما.

وما حد الخمر إلَا مثل حد الزنا في صعوبة تنفيذه أو استحالته فهو لا يُقام إلا بالإقرار أو البينة، وبينته شاهدان، ولا تنحصر شهادتهما في رؤية الشارب وهو يشرب فقط: بل لا بُد، في رأي بعض الفقهاء، أن يشهدا بأنه شرب وهو عالم مُختار: عالم بأن هذا الشراب حمرُ مُسكر، ومُختار غير مُكره على شرابه.

هذا معناه تعسر إقامة الحدود، والغرض من هـذا التعسر، هو الرحمة بالناس والبر بهم، لذلك لا يوجد طـوال مدة الرسالة والخلافة الراشدة سوى وقائع معدودة ومحدودة لإقامة الحد.

يختتم الكتاب بقوله “أما وظيفة الدين، فهي الهداية والإرشاد إلى أنبل ما في الحياة من معنويات وفضائل، وتبليغ كلمات الله التي تهدي إلى الحق والفضيلة والصلاح، والعمل على تنقية النفس الإنسانية وتجديدها باستمرار حتى تظل مرآة صافية تنعكس عليها أخلاق الله..الأمر الذي دعانا إليه الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله: “تخلقوا بأخلاق الله. إن ربي على صراط مُستقيم”.

أما وظيفة الدولة، فهي “رعاية المصالح المدنية للمواطنين بتنظيم معيشتهم، وإقرار النظام بينهم، وتوفير أسباب الحياة من علم وصحة وحرية، والمُحافظة على سلامة الوطن من أي عدوان خارجي، وفق أحكام وقوانين الدولة”.

ولم يغفل الكاتب المصري خالد محمد خالد في كتابه عن الدفاع عن حقوق المرأة في الحرية وفي التعليم وفي الحياة الدستورية، وتوفير فرص المُشاركة لها في الانتخاب والتصويت ومساواتها مع الرجل في الحق الانتخابي.

16