من هو أفلاطون

الثلاثاء 2017/04/11

كتب لي صديق بجد في إهاب المزاح قائلاً: عد إلى الأرض أيها البرقاوي ولا تبق في عالم أفلاطون. وكان مقصوده أن عالم أفلاطون هو عالم الخيال والأوتوبيا، وهو العالم الذي أقيمُ فيه كما يرى والمتناقض مع العالم الواقعي المعيش. والحق أن شبهة التحليق عالياً والإقامة في برج عاجي مازالت تلاحق المنتمين إلى الفلسفة وهذا أمر له أسبابه القديمة والمتوارثة.

ولكن من هو هذا أفلاطون الذي يُضرب به المثل في الانسلاخ عن الواقع والإقامة في الفوق؟

يتفق مؤرخو الفلسفة على أن أفلاطون هو أبوالفلسفة وهو أول من استخدم مصطلح الفلسفة أصلاً حتى ذهب بعضهم إلى القول ليس تاريخ الفلسفة إلا شرحاً لفلسفة أفلاطون. كان هذا الفيلسوف الأرستقراطي والمنحدر من عائلةٍ حاكمة قد مر بتجربة شكلت مفصلاً حقيقيا في حياته ووعيه ألا وهي تجربة إعدام سقراط. فإعدام سقراط حمله على الزهد بالحياة وعلى الترحال في المدن الإغريقية إلى أن عاد إلى أثينا في حوالي 385 ق.م وأنشأ الأكاديمية حيث جمع حوله عدداً من الطلاب والأصدقاء الذين وحدتهم هموم الفلسفة والموسيقى والأدب فضلاً عن التفكير بحكومات صالحة للمدن الإغريقية.

لم يتزوج أفلاطون وأفنى حياته خادماً للفلسفة ومبدعها.

لقد آثر أفلاطون أن يكتب الفلسفة بأسلوب الحوار جرياً على تقليد سقراط ولكن في الوقت الذي كان فيه سقراط شفاهياً كتب أفلاطون الحوارات ليجعل من الحوار منهجاً في الوصول إلى الحقيقة وغالبًا ما يظهر أفلاطون في شخص سقراط في جل المحاورات حيث سينهي سقراط في الحوار إلى القول الفصل.

تنوعت حوارات أفلاطون من حيث الموضوعات إلى حوارات في الحب والمعرفة والفضيلة والنفس والقيم والدولة والحكم والكون والإنسان بل ولم يترك مسألة من مسائل الفلسفة إلا وكان له رأي فيها. تُرى هل هذه الموضوعات الآنفة الذكر هي موضوعات من عالم التخيل أم هي المشكلات المعيشة؟

ينطلق أفلاطون من مثال الخير بوصفه الوجود الحقيقي والذي يهب الصور لكل أشكال الوجود عبر الصانع الذي يخلق الأشياء وما الإنسان الواقعي إلا شبح للإنسان المثالي والذي يطمح لأن يعود إلى حقيقته عبر العقل.

والنفس الإنسانية عند أفلاطون ثلاثة أقسام؛ النفس العاقلة ومقرها الرأس وهي المتخصصة بالتمييز بين الخير والشر والوصول إلى الحكمة، والنفس الغضبية التي مقرها الصدر والتي يجب أن تخضع للنفس العاقلة وإلا مال الإنسان إلى التهور وارتكاب الحماقات، وأما الثالثة فهي النفس الشهوانية ومقرها البطن وما تحته وهي مسؤولة عن الغرائز والشهوات، وأفلاطون يدعو إلى التناسب بين هذه الأقسام الثلاثة لتحقيق الانسجام بينها فلا يطغى أحد على الآخر.

أما مستويات المعرفة عند أفلاطون فهي المعرفة بالحس والمعرفة بالعقل، فالمعرفة الحسية ظنية وهي تتناول الأشياء الحسية فيما المعرفة العقلية علمية وتتناول موضوعات ما وراء الحس. وتأسيساً على تقسيم كهذا يحدثنا أفلاطون عن الوهم وهو المعرفة التي تشير إلى الأشباح والظن، هو مستوى المعرفة الذي يشير إلى الواقع المحسوس، والاستدلال وهو المعرفة بالرياضيات، وأخيراً معرفة المثل بالعقل والتي تنطوي على الحدس.

كان هم أفلاطون في السياسة الوصول إلى المدينة الفاضلة التي جسدها في محاورة (الجمهورية)، والمدينة الفاضلة بالأساس تقوم عنده على مبدأ العدالة لكن مبدأ العدالة هذا لا ينفي أن أفلاطون قد أقر بمبدأ التفاوت الطبقي في المجتمع ووظائف كل طبقة من الطبقات داخل الدولة كطبقة العبيد وطبقة الحراس وطبقة العسكر وطبقة الحكام وهذا يتطابق مع تقسيم النفس التي ذكرنا فطبقة الحكام هي القوة العاقلة وطبقة العسكر هي القوة الغضبية وأما طبقة العبيد وعامة الناس فهي النفس الشهوانية.

والحق أن الفلسفة الأفلاطونية هي الفلسفة التي أسست لأهمية المفهوم لأن المثال والمفهوم شيء واحد. من ذا الذي يستطيع أن يفكر دون عدة المفاهيم المرتبطة بموضوع التفكير.

القول بدعك من أفلاطون يساوي القول دعك من التفكير.

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

14