من هو التكفيري

السبت 2014/02/01

انبثق عن الثورة السورية مصطلح جديد في دوائر اجتماعية وسياسية معينة ألا وهو “التكفير” والتكفيريين”، ووسمت به الجماعات السلفية الجهادية المشاركة في القتال بسوريا مثل داعش وجبهة النصرة، وهي إذ لا تبتعد كثيرا عن منهج “التكفير والهجرة” الذي نشأ أواسط القرن المنصرم في مصر، من حيثية تكفير صاحب الكبيرة، غير أنها باستقطاباتها وانتشارها وتنظيمها فاقته خطورة. ومن الملاحظ أن أول من أطلق اسم التكفيريين على هذه الجماعات هو حزب الله، فما السبب من وراء ذلك؟ ولم يكتف الحزب بمصطلح الإرهاب الذي اتفق عليه المجتمع الدولي إزاء تلك الجماعات وصرحت به الولايات المتحدة في ما خص جبهة النصرة؟ وما الفرق بين الإرهاب والتكفير؟

مع الأخذ بالإشكالية التي تحيط بمفهوم الإرهاب من حيثية التحديد، فإن الظاهر أن التفرقة بينه وبين مصطلح التكفير بوجه من الوجوه تخضع لميزان الجهة التي تطلقه، ففي حين تبنى المجتمع الدولي مصطلح الإرهاب ليصف العمل العدائي الذي يستهدف المدنيين وغيرهم، ورغم أن هذا الاستهداف مصدره إسلامي منذ ما يقرب العقدين على الأقل، فإن مصطلح التكفير كانت دائرته تضيق ليستخدم في وصف الدوائر الدينية الإسلامية على وجه الخصوص، فمن كفر نصر حامد أبو زيد هو تكفيري، ومن اغتال القيادات السياسية في لبنان هو تكفيري، ومن يحز الرؤوس ويفجر نفسه وسط الأبرياء في سوريا والعراق ولبنان وغيرها هو تكفيري أيضا، رغم أن مصطلح الإرهاب يصدق عليه أيضا، بهذا نستخلص أن كل تكفير إرهاب، وليس كل إرهاب تكفيرا خاصة إن نتج الإرهاب عن إرهابيين لا يدينون بالدين الإسلامي. لكن لماذا تبنى حزب الله مصطلح التكفيريين ليسم به أعداءه من السلفيين الجهاديين؟ بالعودة إلى التاريخ يظهر لنا بأن أول حركة تكفيرية في الإسلام تمثلت بالخوارج، الذين كفروا علي بن أبي طالب وأبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص بسبب قضية التحكيم، وأدى هذا التكفير إلى جرائم راح ضحيتها الكثير من المسلمين بينهم علي نفسه. ومع كون حزب الله لم يحرك ساكنا إزاء الجرائم التي يرتكبها الجهاديون في باكستان وأفغانستان والعراق في حق الأبرياء الذين بينهم شيعة، فإنه سعى إلى الخوض في النزاع السوري بحجج دينية مذهبية ثأرية، وشد على عصب طائفته بدعاوى اكتسبت مشروعيتها لديه من مأثوره الديني لاسيما الروايات والأحاديث الغيبية التي تؤرخ لما قبل ظهور المهدي المنتظر.

من هنا نخرج بإطارين من وراء تبني حزب الله لهذا المصطلح، فهو أولا، لا يتبنى المصطلح الذي وُسم به هو نفسه من قبل المجتمع الدولي، ويكرس الازدواجية بينه وبين السلفيين الجهاديين من جهة، وبين هذا المجتمع من جهة أخرى، من حيث التسمية وإطلاق المصطلحات كي يبقى خيطا فارقا يميزه عن “الاستكبار العالمي” الذي نشأ وعيه الجماهيري على العداء له. وثانيا: يكتسب من خلال ربط السلفيين الجهاديين بالخوارج من خلال التكفير تعبئة تشد من عصب التجييش المذهبي لدى جمهوره، وتنقله إلى صراعات تاريخية يجد فيها نفسه من خلال مأثوره الديني، ويؤكد على حصرية الحق الذي يمتلكه. ويخاطب جمهوره بما يتلاءم مع تعبئته التي فاقت العقود الثلاثة، ويتصالح فيها مع ذاته انطلاقا من الثنائية التي يعتمدها حزب الله في تعبئة جمهوره والتي تتمثل بركنين الأول التمهيد لدولة المهدي، والثاني السعي إلى الشهادة في سبيل الله، والثانية مع توقفها في وجه إسرائيل بعد القرار 1701، فقد فتحت من جديد في سوريا تحت شعارين “يا لثارات الحسين” و”لن تسبى زينب مرتين”.

لكن هل أن السلفيين الجهاديين وحدهم التكفيريون؟ أم أن حزب الله نفسه تكفيري أيضا؟ رغم الأبحاث التي تفرق بين المقاومة والإرهاب والتي تقف عائقا أمام إخراج تعريف جامع مانع للإرهاب، فإن تاريخ حزب الله ليس ناصعا من هذه الناحية، فمع إجماع العرب والمسلمين على مشروعية قتاله لإسرائيل، فإن ساحته غير خالية من الأعمال الإرهابية، ذلك أن كثيرا من الاستفهامات تطرح حول تخطيطه وتنفيذه لعدة جرائم إرهابية تمثلت حينا في اغتيال مفكرين وسياسيين ماركسيين وعلمانيين في بيروت في الثمانينات مثل حسين مروة ومهدي عامل وسهيل الطويلة وغيرهم، إلى خطف الطائرات، إلى رفضه الاعتراف بالكيان اللبناني وعدم الدخول في مؤسساته.

يشار إلى أن الفقه الشيعي يحتوي أحكاما تكفيرية تحت عنوان الردة، تقسّم المرتد إلى فطري وملّي. الفطري هو المسلم الذي يرتد عن الدين وحكمه القتل دون الاستتابة، والثاني وهو غير المسلم الذي يدخل الإسلام ثم يرتد عنه ويستتاب لثلاثة أيام وإن استمر على موقفه يقتل. فهم يتعاملون مع المخالفين لهم بحكم الردة، وبالتالي فهم تكفيريون بدورهم. وننقل من كتبهم الفقهية القديمة المأخوذ بها في الاجتهاد لأعلام طائفتهم ما يكفر الجميع ما عدا أتباع الطائفة الإمامية الاثني عشرية، حيث يقول الشيخ المفيد بما نقله عنه تلميذه الطوسي في كتاب تهذيب الأحكام: “إن المخالف لأهل الحق كافر فيجب أن يكون حكمه حكم الكفار”، فهل تبقى مشروعية لإطلاق مصطلح التكفيريين على السلفيين الجهاديين من قبل حزب الله وهو بدوره تكفيري أيضا؟.


كاتب سوري

9