من هو الجهادي الفرنسي؟

الإنترنت لا تكفي وحدها في عملية التطرف الديني، والمساجد والمراكز الإسلامية التي يشرف عليها الإخوان والسلفيون هي بيت الداء الأصولي والجهادي.
الجمعة 2019/07/26
التهميش يغذي الفكر المتطرف

من هو الجهادي الفرنسي؟ في أي ظروف اجتماعية عاش؟ ما هو تحصيله الدراسي؟ ما هو معدل عمره؟ تلك الأسئلة وغيرها التي كثيرا ما طرحت وتطرح على صفحات الجرائد وفي منابر القنوات التلفزيونية الفرنسية والدولية، حاولت أن تجيب عنها دراسة تحت عنوان “137 فرقا دقيقا/جهاديو فرنسا أمام العدالة”، نشرها المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية عبر التدقيق في معدل عمر الجهادي، جنسه، أصوله الاجتماعية، مستوى تعليمه ومساره المهني.

باريس – يعتبر العمل الذي أنجزه الباحث في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، مارك هيكر، عبارة عن أول رسم تشبيهي مفصل للجهادي الفرنسي. كان نتيجة لفحصه لمسار 137 متورطا تم الحكم عليهم بتهمة الإرهاب الجهادي في فرنسا ما بين 2004 و2017.  ويخرج من الدراسة بشكل عام أنه “شاب في السادسة والعشرين من العمر، ولد في حي فقير، لا يملك أي شهادة ومعروف بجنوحه”.

يقول الباحث: تتوفر في رضوان لقديم صفات غالبية الأشخاص الذين حوكموا في فرنسا في القضايا المتعلقة بالإرهاب؛ قتل 4 أشخاص في كاركسون وتريب يوم 23 مارس 2018، المولود بالمغرب والذي يعيش مع والديه وأخواته في أحد الأحياء الصعبة الفقيرة والذي كان حين ارتكب الجرم في بطالة. كما أمضى مدة في السجن خلال 2016 بسبب استهلاكه للمخدرات وعدم امتثاله لأوامر الشرطة. بكلمة واحدة، هو جانح صغير من جانحي الأحياء تحوّل إلى إرهابي إسلاموي دموي.

يكتب الباحث أنه بدأ يعيد النظر في مقولة غياب عوامل مشتركة بين الإرهابيين ابتداء من منتصف سنة 2016 وعلى الخصوص بعد العمليات الإرهابية المرتكبة على الأراضي الفرنسية حيث لاحظ  كثيرا من الخصائص المشتركة بين الإرهابيين المتورطين في تلك الهجمات.                                                                          

بالنسبة لمسألة الجنس والعمر، تبيّن من هذه العينة أن هؤلاء المتطرفين يبلغون من العمر 26 عاما في المتوسط وقت توجيه الاتهام إليهم، وأنهم رجال في معظم الحالات إذ هناك 6 نساء فقط من بين 131 ذكرا. أما عن وضع هؤلاء الجهاديين الاجتماعي فأغلبهم قد عاش مسارا اجتماعيا صعبا. في 90 بالمئة من الحالات، يقول التقرير، نجد أن هؤلاء الجهاديين قد ولدوا في عائلات متكونة من عدد كبير من الأفراد وفي بعض الحالات يكون العدد كبيرا جدا، كما تكون عائلاتهم مفككة في غالب الأحيان. و40 بالمئة منهم ينحدرون من أحياء فقيرة مهمشة في ضواحي المدن الفرنسية الكبرى والمتوسطة وحتى الصغيرة منها أحيانا.

جمع الباحث معلومات في ما يخص المستوى الدراسي لثمانية وستين من المحكوم عليهم، فوجد أن نصفهم تقريبا أي 32 منهم لا يملكون أدنى شهادة دراسية، و8 منهم فقط قد زاولوا تعليما عاليا، أحدهم مهندس وآخر متحصل على دكتوراه في فيزياء الجزيئات.

كما لاحظ الباحث أن وضعية هؤلاء المهنية مزرية، فالبطالة متفشية بينهم إذ وصلت إلى 36 بالمئة، بينما يجد 22 بالمئة منهم أنفسهم يحتلون مناصب شغل هشة غير مستقرة. ومع ذلك، فأكثر من نصفهم لا يعيشون لوحدهم منعزلين بل هم إما متزوجون وإما يعيشون في علاقات حرة.

40 بالمئة من المتطرفين سبق وأن صدرت في حقهم أحكام قضائية بسبب العنف، السرقة والاحتيال

ومن ناحية علاقة المدروسين بالعدالة قبل تورطهم في الإرهاب الجهادي عمليا، تبين أن 40 بالمئة منهم قد سبق وأن صدر في حقهم حكم قضائي على الأقل مرة واحدة بسبب العنف، السرقة، الاحتيال، المتاجرة بالمخدرات أو الجنح المرورية. أما البقية، فليست لهم سوابق عدلية ولكن 12 بالمئة منهم قد سبق وأن تم الإبلاغ عنهم لمصالح الشرطة.

69 بالمئة من العينة المدروسة هم فرنسيون و22 بالمئة هم من مزدوجي الجنسية. و59 بالمئة منهم من عائلات منحدرة من المغرب العربي. و74 بالمئة هم مسلمون بالولادة و22 بالمئة من معتنقي الديانة الإسلامية الجدد.

ولكن كيف تطرّف هؤلاء؟ ما هي العوامل التي جعلتهم ينحرفون عن المنهج الجمهوري الذي تربوا فيه؟ لم يتمكن معدّ الدراسة من الاعتماد سوى على المعطيات الخاصة بـ39 من العينة المدروسة  وقد توصل من خلالها إلى أن التطرف لا يحصل هكذا بين ليلة  وضحاها وإنما هو مسلك طويل المدى نسبيا، فنسبة 30 بالمئة من هؤلاء قد دام طريقهم نحو التطرف عدة سنوات.

 ولم تقف الدراسة على حالة واحدة من بين 131 مما يسمى في الإعلام الفرنسي بـ”الذئب المعزول”، وإنما صورت هؤلاء الجهاديين على أنهم أشخاص غالبا ما يسترشدون بديناميكية المجموعة التي يكونون ضمنها في الحي كالأشقاء أو الأصدقاء الذين يعرفون بعضهم منذ أيام الدراسة. وأسوء مثال هم الإخوة تاغي من مدينة تراب، قرب باريس: إثنان قُتلا في سوريا والثالث محكوم عليه بخمس سنوات سجنا.

ووفقا للدراسة فالإنترنت لا تكفي وحدها في عملية التطرف الديني، فهي تسمح فقط بتنظيم اللقاءات والتواصل وتحضير العمليات الإرهابية. عن الثقافة الدينية لهؤلاء يقول الكاتب إنها هزيلة مقارنة بالذين سبقوهم في بداية العشرية الأولى لسنة 2000 ولكن لا ينفي أن يكون بين الجماعات الحالية فرد متميز عن رفقائه بمعارفه الدينية.

وتعيد الدراسة النظر في بعض الأحكام الجاهزة كالاعتقاد بأنه من الممكن أن يتحول شخص ما إلى جهادي بين عشية وضحاها. وكثيرا ما يستعمل الإعلام الفرنسي كلمة “انقلاب” والتي قد توحي بأن بعض الإطلالات على الكمبيوتر أو الهاتف النقال كافية ليصبح جهاديا بينما قد يستمر التحول إلى التطرف 6 أشهر أو سنة أو عدة سنوات. ومن دراسة 39 ملفا تبين أن 30 بالمئة تطلب تطرفهم سنوات عديدة وفقط 17 بالمئة تطرفوا خلال بضع شهور.

كما فندت الدراسة عدم مشاركة النساء الفعالة في الجهاد إذ بينت أن عددهن الضئيل لا يعني أنهن بعيدات عن الالتزام الجهادي وإنما مرد ذلك هو ميل السلطات الفرنسية الإدارية والقضائية في السابق إلى عدم متابعة النساء المتورطات في العمليات الإرهابية  واعتبارهن ضحيات في حين أنهن لعبن دورا كبيرا في تطرف أزواجهن. وحسب بعض التقديرات فإن ثلث الفرنسيين الذين التحقوا بداعش في سوريا والعراق فرنسيات.

وحتى لو تحفظت الدراسة عن ذكر مصدر التطرف الأساسي لأسباب سياسوية فتبقى المساجد والمراكز الإسلامية التي يشرف عليها الإخوان والسلفيون هي بيت الداء الأصولي والجهادي.

13