من هو بانسكي أشهر فناني الغرافيتي في العالم

الفنان بانكسي رسام بريطاني يزور، من خلال أعماله التي تقدم نوعا من النقد الاجتماعي القوي، مناطق دون أن يتوقع أحد وجوده ويرحل دون أن يكشف عن هويته.
الاثنين 2018/12/03
من رسائل بانسكي الغريبة

الكثير من المبدعين يتخفون خلف أسماء مستعارة ولا أحد يعلم  حقيقتهم، وربما هذا ما يفتح شهية الجميع لتعقب من يكونون، على غرار الروائية الإيطالية المجهولة إيلينا فيرينتي، أو فنان الغرافيتي المجهول بانسكي. ونجح بانسكي في أن يصبح من أشهر رموز فن الغرافيتي، خاصة وأن أعماله ناقدة على غرار فيرينتي، إذ يرسم الفنان رسائل قوية ضد النزعة الاستهلاكية والحروب التي غزت العالم مناصرا العديد من القضايا الإنسانية كالقضية الفلسطينية وغيرها. لكن بقي شخص هذا الفنان مجهولا، ما فتح الأبواب واسعة على التكهن من يكون.

لندن- كورنيليا نيوماي- علت الدهشة والذهول وجوه الحاضرين، عندما تحطمت لوحة بانسكي “الفتاة والبالون” من تلقاء نفسها بعد بيعها في لندن، في أكتوبر الماضي بصالة سوذبيز الشهيرة للمزادات.

وقالت دار المزادات الشهيرة إن لوحة “الفتاة والبالون” التي تعد أحد أشهر أعمال بانكسي خرجت عن إطارها مرورا بآلة لتمزيق الورق مخبأة داخل الإطار في الوقت الذي هوت فيه المطرقة لتعلن بيع اللوحة بسعر تجاوز المليون دولار (1.37 مليون دولار). ويبدو أن بانسكي كان يريد بالفعل تحطيم اللوحة تماما، حسبما أعلن بنفسه في شريط مصور نشر على مواقع الإنترنت، إلا أن عملية التحطيم لم تتم بالكامل.

فرضيتان ممكنتان

مرة أخرى أثارت الواقعة جدلا وتخمينات حول هوية بانسكي، ومن هي الشخصية الحقيقية التي تختفي وراء فنان الشوارع؟ وهو سؤال ظل بلا إجابة طوال أكثر من ربع قرن، وإن لم يخل الأمر من كل أنواع الإشاعات حول شخصية الفنان البريطاني: هل هو عضو في فريق غنائي؟ أم شخصية نسائية تتخفى خلف شخصية رجل؟ كل ما يعرف هو أن بانسكي وصل إلى لندن عام 1990، واشتهر بأعماله المثيرة للجدل لما تتضمنه من نقد اجتماعي صريح فضلا عن إدانته للحروب والنزعات الفاشية ومجتمع الاستهلاك، وحصار غزة وغيرها من القضايا الإنسانية. ومن أشهر رسومات الغرافيتي التي لا تزال باقية في لندن بالقرب من هايد بارك تحمل شعار “تسوق حتى تسقط” ويصور سيدة تسقط في الفراغ مع عربة جرّ للتسوق.

يعتقد الكثيرون أن بانسكي رجل في الأربعين من عمره من بريستول. ومنذ عام يؤكدون أن اسمه الحقيقي روب، وذلك بعد الحملة الترويجية التي دشنها منسق الأسطوانات (الدي جي) الشهير جولدي في إحدى الحفلات حينما قال “أعتقد أنه فنان رائع”، ليفتح بذلك الباب أمام تخمينات أخرى أن اسمه قد يكون روب ديل ناجا أو روبين جانينجام.

والأول من برستول وهو مطرب بفريق ماسيف أتاك (أو هجوم عنيف). وفي 2016 قام الصحافي الفني كريج ويليامز بعمل ريبورتاج صحافي نشره على مدونته جمع فيه البراهين المزعومة التي تؤكد فرضية أن ديل ناجا هو بانسكي، زاعما وجود رابط بين تواريخ جولات فريق “هجوم عنيف”، وظهور جداريات بانسكي في جميع أنحاء العالم.

على سبيل المثال في الأول من مايو 2010 ظهرت ست لوحات غرافيتي لبانسكي في سان فرنسيسكو بعد يومين من حفل للفرقة بالولاية. كما عثر ويليامز على أدلة على بصمة بانسكي والصلة بينه وبين الفريق الغنائي في تورنتو، حيث عزف روبرت ديل ناجا في المدينة الكندية يومي 7 و9 مايو 2010. وفي التاسع من نفس الشهر عثر على لوحات جديدة لبانسكي. يقدم ويليامز قائمة طويلة تعطي لمن يقرؤها دافعا قويا للاعتقاد بصحة مزاعمه حول شخصية بانسكي. ولكن ديل ناجا نفسه يرفض هذه الشائعات حيث أكد قبل عامين لصحيفة الديلي ميل أنه كان صديقا لبانسكي ولكنه ليس هو.

هناك من يقول إن بانسكي موسيقي وآخرون يقولون إنه ليس رجلا، بل سيدة، تقود جماعة من الفنانين المتمردين

أما الشخص الثاني المشكوك فيه فهو روبن جانينجام، وهو بالفعل فنان شارع، وقادم أيضا من بريستول، وكانت صحيفة الديلي ميل قد أكدت عام 2008 أن جانينجام هو بانسكي، ولكن بعد ثماني سنوات، أثبت باحثون من جامعة كوين ماري بلندن هذه المزاعم من خلال دراسة، اعتمدوا فيها على تقنيات علم الجريمة، حيث صمموا تخطيطا بيانيا لتقفي أثر بانسكي من الأعمال والأماكن التي يظهر بها جانينجام.

في تصريح للإذاعة البريطانية بي.بي.سي قال ستيف لو كومبر أحد أعضاء فريق البحث وأحد خبراء فن الشوارع “سوف يصدمني ألا يكون هو”، نظرا إلى أن اعتقاده في مصداقية الأدلة يصل إلى 75 بالمئة، على الرغم من إصرار جانينجام على الرفض التام لهذه المزاعم، فضلا عن أن بانسكي يوقع كتبه وأعماله الفنية دائما باسم “روبن بانسكي”.

الجميع صاروا بانسكي

انطلاقا من أن أيا من النظريتين لم تتمكن من إثبات هوية الفنان بصورة قاطعة، استمر ظهور المزيد من الفرضيات. شهد عام 2010 تقديم فيلم وثائقي عن بانسكي بعنوان “الخروج عبر محل الهدايا”، وقد رشح للحصول على الأوسكار، والعمل محاكاة ساخرة تدور حول إعادة نسخ الأعمال الفنية وتدني الإبداع لصالح الربح التجاري. ويتوافق مع آراء بانسكي الفنان الفرنسي تييري جيتا، الذي اعتاد التعبير عن توجهاته من خلال لوحات جرافيتي على جدران مدينة لوس أنجلس موقعا باسم مستعار هو “السيد غسيل مخ” (أو Mr. Brainwash). ونظرا للتشابه الكبير بين توجهات أعمالهما انتشرت شائعات قوية أن بانسكي هو نفسه جيتا، ولكن يرى البعض أن هذه الفرضية مجرد عبث.

وفقا لفرضية أخرى، بانسكي ليس رجلا أصلا، بل سيدة، تقود جماعة من الفنانين المتمردين، وهذا على الأقل ما يؤكده الفيلم الوثائقي “بانسكي يرسم نيويورك” إنتاج 2014، استنادا إلى أن أعمال بانسكي تقدم نوعا من النقد الاجتماعي القوي وتحرض على العدالة الاجتماعية على كافة المستويات فضلا عن الحضور القوي للأطفال في كل إبداعاته.

هناك قائمة طويلة لا تنتهي للشخصيات التي يرجح أن تكون هي بانسكي، وهناك تأكيدات في منتهى العبث والشطط مما يدعو إلى التساؤل بصورة ساخرة: من إذن ليس بانسكي؟ في حالة عدم العثور مطلقا على إجابة على السؤال الأول حول هوية فنان ينتصر للمظلومين والمستضعفين في كل مكان من لوس أنجلس إلى غزة.

ويعتبر الفنان بانكسي رساما بريطانيا يزور مناطق دون أن يتوقع أحد وجوده ويرحل دون أن يكشف عن هويته. وزار بانكسي قطاع غزة عام 2015 ورسم على جدران البيوت التي طالها القصف الإسرائيلي لوحات تعبر عن المأساة.

15