من هو جون أمون؟

شاب فرنسي تحول إلى ظاهرة فنيّة دون أن يكون له أيّ منتج فنيّ.
الأحد 2018/09/02
بوسترات لفنان بلا منتج فنيّ

باريس – لا يكفي لأن تكون "فناناً" أن تمتلك منتجاً خاصاً بك قمت بصناعته بنفسك، مارسيل دوشام بشّر بعصر أصبح فيه الفنان يمتلك سلطة على "الأشياء" من حوله، مجرد اسمه يجعل منها "غرضاً جمالياً"، ما يزيح الثقل من العمل الفنيّ إلى شخص الفنان، بصورة أدق، مدى الاعتراف الذي يمتلكه لتحويل "الأشياء" إلى "فن"، ما يعني، أن تكون فناناً هو أن تمتلك اعترافاً من المؤسسة الفنيّة والقطاع الفنيّ، الذي يضيف قيمة للشخص لا تنتمي للـ"غرض" الفني نفسه، هذه القيمة تخلقها  مجموعة من القوى الموازيّة التي تكسب "الفنان" القدرة على وسم ما حوله بوصفه فناً.

الكثير من زوار باريس بل والباريسيون أنفسهم يطرحون سؤال من هو جون أمون ، فالشاب الذي تنتشر صوره في أنحاء المدينة، سواء بحجم كبير أو صغير، في الحارات الهامشيّة، و على أسطح أشهر معالم المدينة كبرج إيفل وقوس النصر، أشبه بشبح، لا يعرفه أحد. والمتأمل لإحدى صوره، لا يجد فيها ما يثير للاهتمام، شاب في مطلع العشرينات، يرتدي نظارة، وعلى أحد أطراف الصورة نقرأ اسمه، وبعد بحث صغير على الانترنيت نكتشف أنه فنان يبحث عن الدعم، وبعد بحث أكثر، نجد أن أمون لا يمتلك أي منتج فنيّ، هو ليس برسام أو نحات أو فنان أداء أو صانع أوان خزفيّة، هو فقط "فنان".

بدأ أمون منذ عام 2001 بإلصاق البوسترات التي تحوي صورته في أنحاء مدينة باريس، وعلى مدار 18 عشر عاماً تحول إلى ظاهرة شعبيّة وفنيّة، فأمون يرى أن الترويج هو ما يصنع الفنان، لا الفن نفسه، وهذا ما يطلق عليه اسم "الفن بالدرجة صفر"، ما يحيلنا فوراً إلى رولان بات وكتابه "الكتابة في درجة الصفر"،  فأمون يتبنى بعض مفاهيم بارت، حيث يتحول الفنان إلى صيغة تختزن تاريخ الفن دون الفن نفسه، شكل من النشاط الفنيّ يتلاشى فيه المنتج ليبق الفنان، يختزل في ذاته الرمزية الدال والمدلول.

ظاهرة شعبيّة وفنيّة
ظاهرة شعبيّة وفنيّة

هذا العام ظهر أمون للعلن، والتقطته الكاميرات وهو يقوم بإلصاق إعلان طريق كبير الحجم، يحتوي صورته وبجانبها عبارة "أودّ أن أكون فناناً"، تجربة أمون تحيلنا إلى مفاهيم الفن والاعتراف المرتبط بالفنان، وخصوصاً أن الادعاء الشخصيّ لا يكفي، فالأمر ليس رؤية رومانسيّة، بل رهاناً على اللاعبين الآخرين في القطاع الفنيّ، وهذا ما نجح به أمون، إذ اكتسب سلطة أدائيّة لتحويل صورته الشخصيّة و"ادعائه الذاتيّ" إلى حقيقة، أي أن يُعترف به كفنان دون أن يكون له أي مُنتَجْ، فقط صورته الشخصيّة، وأحلامه الفرديّة.

هناك زاوية أخرى للنظر للبوسترات، بوصفها نفسها شكل من أشكال فن الشارع، بالتالي الادعاء الذي تحويله يمتلك "لاجديّة" الفنّ، لتكون إطاراً ومساحة يُمكن عبرها خلخلة العلاقة بين الدال والمدلول وجديتهما، كما في لوحة ماغريت الشهيرة "هذا ليس غليوناً"،  فهل الصورة الشخصية في البوستر تحيل إلى أمون الحقيقي نفسه ذو الحضور الفيزيائيّ؟، أم أن الفنان الذي تحيل له هو ذاك الرمزيّ اللغويّ ذو الصور المنتشرة في أنحاء باريس؟، وما مدى جديّة الادّعاء اللغويّ أو "الأمر" المرافق للصورة ؟، وما تأثيره على الواقع ؟.

التساؤلات السابقة مرتبطة بالقطاع الفنيّ نفسه، والقوى التي تُنتج العمل الفنّي ولا تحضر ضمن الإطار الذي يختزن الجهد الفنيّ، بل خارجه، هي تلك التي تجعله عرضة للتلقي والتبادل والتداول كالإعلانات والمعارض . الأهم أن شكل أمون تغير الآن،  لا يمكن تمييزه في الشارع، فشكله مغاير لما هو في الصورة، كما أن الصورة التي في البوستر استهلاكيةّ، مكررة ومستنسخة، جاهزة الصنع، استخدمها للمرة الأولى لبطاقة الجامعة، وما حوّلها إلى "غرض جماليّ"، هو انفصالها عن ذات أمون الشخصيّة، والقيم الرمزيّة التي أًصبحت تحويها، إذ لم تعد إيقونة، بل علامة مجازيّة تنتمي للقطاع الفنيّ الذي يتعامل معه أمون والناشطين في القطاع، فهي علامة تختزن تاريخ الفنّ، ما يجعلها مقاربة لتعريف رولان بارت، علامة على الغياب، ككلمة في معجم تخزن المعاني دون أن تفصح عنها.

شكل من أشكال فن الشارع
شكل من أشكال فن الشارع

 

14