من هو كاتبك المفضل

الاثنين 2016/10/17

دعاني كاتب وشاعر صديق إلى أمسية ثقافية بـ”أتيليه” القاهرة (أحد أهم أماكن تجمع مثقفين ومراقبين للحركة الثقافية بمصر والعالم العربي)، كان يلقي أشعاره على الحضور بطريقة غريبة وكلمات تدعو إلى التعجب والاندهاش، والجميع يستمع بوجه محايد لا يظهر أي تعابير، انتهت السهرة وسط تصفيق الحضور والتعليق بكلمة واحدة باهتة مكررة “مبدع يا فنان”. اقترب مني الصديق الشاعر مبتسماً متسائلاً عن رأيي، ترددت كثيراً في البوح برأيي خاصة وأنني لا أرغب في جرح مشاعره أو خدش فرحة عينيه، غير أنه لاحقني بأسئلته فابتسمت دون كلام. لا أعرف ماذا أقول، هل أغرق في بئر النفاق إذا جاملته على ما لا أفهم، أم أقول الحقيقة فأجرحه، لذا اخترت الصمت حائطاً أستند إليه.

بعد الانتهاء كان تجمع لبعض الزملاء والأصدقاء من الصحافيين، الجميع كان يجامل بكلمات قليلة دون نقد بنّاء أو وصف تفصيلي لما سمعه، سألت الجميع سؤالاً واحداً، ماذا فهمت مما قيل، وماذا كان يقصد “….” صديقنا العزيز بكلماته، فإذا بإجابات فلسفية حمقاء لا تحمل معنى ولا عمقا.

أعتقد أن الجميع يخشون البوح بآرائهم أو التصريح بعدم الفهم حتى لا يتهم قائل العبارة بالسطحية وعدم الوعي، فرأيت في نفسي بعض شجاعة للسؤال عن أعمال مالك حداد، أو بعض أفلام يوسف شاهين، وجدت إجابات غريبة متباينة، حاولت الاحتماء بقول الكاتب الأميركي “اريك جيروم ديكي” (من المستحيل أن تفسر الإبداع، فهذا يشبه أن نسأل العصفور لماذا تطير)، ولكنني عدت أقول لنفسي هذا هو الرد على ماهية الإبداع وليس تفسير مفرداته وكلماته التي يجب أن تكون مفهومة، واضحة المعنى، جلية كانت الكلمات الشعرية متنافرة غريبة يتحدث فيها عن طفولة بائسة ولكن الكلمات لا تؤدي معنى محددا وليست قادرة على حمل رسالة محددة.

تذكرت صديقة مهندسة بعيدة كل البعد عن الأدب والحركة الثقافية ولكنها مطلعة، قارئة من طراز فريد، كنت أسألها عن كاتبها المفضل ومواصفات كتاباته فقالت من يستطيع إيصال المعنى بسهولة ويسر ويوضح فكرته بلا فذلكة أو تحذلق مقيت، أرى صديقتي قارئة بعين ناقدة، وليس كما تصف هي نفسها كونها قارئة بسيطة، فهي زوجة لصحافي كبير، ومتذوقة جيدة للأدب والكتابة، تقرأ المقال ولا تضع الجريدة من يديها إلا وهي متشربة للفكرة تماماً، قالت لي يوماً (الكاتب الأفضل والمفضل لدي، هو ذلك الكاتب الذي يجبرني على قراءة مقاله إلى نهايته، ويجبر عقلي على العمل، فهناك كتاب وكاتبات أشعر بالدوار بعدما أقرأ لهم ولا أعرف ماذا يكتبون أو يكتبن، بخفة ظل قالت ” لا أعرف كام بيروح فين”).

رأيتها شاخصة أمامي وأنا أنتقد صديقي الشاعر الذي علموه أنه كلما كنت غامضاً غير مفهوم علا منسوب الإبداع لديك وكنت عصياً على فهم العامة فلا يتذوق شعرك غير النخبة والمثقفين، وجدتني أتحدث بلسان صديقتي، أتساءل، لمن تكتب؟ وما معنى لم تطبخ خالتي أرزّا وأنا أحب الأرز، ما بال القارئ بخالتك وأرز خالتك؟ وجدت من يؤيدني في الرأي ويتكتم على عدم فهمه مخافة رميه بكلمات جارحة واتهامه بالسطحية وعدم الفهم.

ووجدت إجابات فلسفية جدلية عقيمة لا تسمن ولا تغني من جوع، من فصيلة، شكسبيرية الأداء وعمق التجربة و….

أنا شخصياً أميل إلى قول الكاتب البريطاني براين الديس، أيا كان الإبداع فإن جزءا منه هو حل لمشكلة، ورأي الرائع ستيف جوبز، الإبداع ليس سوى القدرة على ربط الأشياء. فالكاتب بعمق هو من يعيش عمق تجربته بعيداً عن الورق ثم إذا أمسك بالقلم وكتب لغيره استطاع إيصال المعلومة للجميع بلا تسطيح ودون حذلقة.

كاتبة من مصر

21