من هي "سيكادا" الغامضة التي تجند عباقرة الإنترنت

السبت 2014/01/18
عالم سيكادا.. عالم الفرضيات لا الحقائق، ليستمر لغزا يثير الفضول

واشنطن – لا أحد يعلم على وجه التحديد ما هي أو من “سيكادا”، فلم يثبت حتى الآن أن ناجحا في امتحانات الجماعة أعلن هويتها، بل يبدو أن من يدخلونها يحظون بما يشتري صمتهم.

صورة ملغزة في تغريدة على تويتر أو على منتدى للقراصنة، رموز مبعثرة في أبيات شعر أو مقطوعات موسيقية، صندوق رسائل هاتفية يقودك إلى مخابئ منتشرة حول العالم، أو موقع إنترنت يختفي بعد أن يدخله عدد محدود من المحظوظين.. هذه مراحل على طريق حل اللغز الأكبر.

لكن، ما هو اللغز؟ من يقف وراءه؟ ما هو الهدف منه؟ لا أحد يعلم على وجه اليقين!


توقيع "سيكادا"


إذا كنت أحد عباقرة الإنترنت، فمن المحتمل أن تكون قد قضيت الأيام العشرة الماضية في أجواء تشبه أجواء الروايات البوليسية، مجهدا عقلك ومستنزفا معرفتك في البرمجة والتشفير والرياضيات. إذا كنت محظوظا، فأنت من الذين دخلوا مرحلة الأسرار، وإذا كنت قد تأخرت في حل أحد الألغاز فأنت تندب حظك، ويقتلك الفضول: ماذا بعد كل هذا التعب؟

عنوان اللغز هو "سيكادا 3301"

يحيل الاسم Cicada في العربية إلى حشرة اسمها الزيز مشهورة بالطنين، لكنه في عالم الإنترنت يشير إلى اللغز الذي حير خبراء الأمن والإنترنت: من هي هذه الجماعة الغامضة التي تنظم مباراة في الألغاز بالغة التعقيد، دون أن يعرفها أحد، هل هي المنظمة الماسونية؟ وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “سي أي إيه”؟ جهاز الاستخبارات البريطاني؟ شركة غوغل؟ أم إحدى شركات الألعاب على الإنترنت؟


نحن نريد الأفضل، لا التابعين


تلك كلها فرضيات تجد من يدافع عنها، وفي الخلاصة أن “جهة ما” تبحث عن عباقرة الإنترنت حول العالم لتضمهم إلى صفوفها، وهي “جهة” تريد أن تبقى سرية، وتمتلك من المصادر البشرية والمادية ما يكفي لوضع سلسلة من الألغاز بالغة التعقيد والتي تقود الناجحين إلى ما يشبه مقابلة التوظيف، وذلك بعد أن ينجحوا في حل الألغاز لغزا تلو آخر، تبدأ صعبة ثم معقدة فشبه مستحيلة… بالطبع، تتساقط الأغلبية على الطريق، ولا يظل إلا صفوة الصفوة. تقول فرضية أخرى إن “سيكادا” ما هي إلا جماعة «أنينوموس» الإلكترونية المتمردة وهذه هي طريقتها في تجنيد الأعضاء.

الخامس من يناير 2014 كان الموعد السنوي الثالث مع محاولة فك اللغز


"ويبدأ الحج"


بالنسبة إلى خبراء التشفير والأمن الإلكتروني، كان الخامس من يناير 2014 موعدهم السنوي الثالث مع محاولة فك اللغز. يومها ظهرت صورة على حساب غامض على تويتر:“فليكن الإلهام حليفكم. بدأ حجكم إلى حيث تنتظر الأنوار”. والتوقيع: 3301.

في الحقيقة إن خلفية الصورة غير سوداء بل رمادية غامقة. إذا فتحت الصورة باستخدام برنامج “فوتوشوب” وزدت مستوى الظلال، يظهر رمز الجماعة: حشرة الزيز.

وإذا فتحت الصورة ذاتها ببرنامج مخصص لتشفير البيانات وإخفائها داخل الصور اسمه أوت غيس “OutGuess” سيظهر لك اقتباس من مقالة لرالف والدو إميرسون اسمها “الاعتماد على الذات Self-Reliance ” وسلسلة من الأرقام وآلية تشفير.

بطريقة ما، يشير كل رقم مخفي في الصورة إلى فقرة ما، ثم جملة، وكلمة وحرف في مقالة إميرسون الأصلية. بتجميع هذه الأحرف يمكن الخروج بعنوان موقع على الإنترنت.

مثلا، قد يكتشف برنامج فك التشفير الرقم التالي مخفيا داخل الصورة «1:2:3:1» عليك الآن أن تعود، حسب الترتيب الوارد في الرقم، إلى الفقرة الأولى، فالجملة الثانية في الفقرة، فالكلمة الثالثة في الجملة، فالحرف الأول في الكلمة. وهو حرف A. وهكذا حتى تجمع أحرفا تشكل عنوان موقع الإنترنت.

المرحلة السابقة أوصلت الباحثين عن الحل إلى الموقع auqgnxjtvdbll3pv.onion وهو غير موجود على شبكة الإنترنت العامة (لا يفتحه متصفح الإنترنت العادي) بل موجود في “الإنترنت الخفي” المسمى “تور – Tor” يفوق حجم تور حجم شبكة الإنترنت التي نعرفها بـ5000 مرة، وتجري فيه أعمال الإنترنت القذرة من تهريب بشر ومخدرات وسلاح. وهناك، اختبأت صورة أخرى، ولغز آخر من ألغاز “سيكادا”، قاد إلى ألغاز أعقد فأعقد.


رأس الجبل الجليدي


ما زالت المنافسة حامية على حل ألغاز 2014 ومن الصعب الخروج بصورة واضحة عما يحدث. المحرر التقني في صحيفة الغارديان البريطانية أليكس هيرن حاول أن يحل اللغز، لكنه كتب بعد خمسة أيام مقالة بعنوان “حاولت أن أحل لغز الإنترنت الأصعب وفشلت فشلا ذريعا”.

محاولة هيرن كانت هذا العام، أما في 2012، فحاول خبير أمن إلكتروني اسمه جويل إريكسون حل الألغاز، وكانت مسيرة وثقها الصحفي كريس بيل من صحيفة التلغراف البريطانية في تحقيق صحفي كان الأول والأوفى حتى الآن عن نشاط المجموعة الغامضة نشره في نوفمبر 2013.

«جهة» تمتلك من المصادر ما يكفي لوضع ألغاز بالغة التعقيد


خلاصة ما جرى لإريكسون


في أمسية شتوية مملة، كان إريكسون، السويدي البالغ من العمر 34 عاما، يتسكع في شبكة الإنترنت. وفجأة، وجد صورة فيها رسالة مكتوبة باللون الأبيض على خلفية سوداء. تقول الرسالة “نبحث عن أشخاص بالغي الذكاء. لإيجادهم، وضعنا اختبارا. هناك رسالة مخبأة في هذه الصورة. جدها لتقودك في درب توصلك إلينا. نتطلع إلى لقاء القلة الذين سيتمكنون من الوصول إلى آخر المراحل. حظا سعيدا”.

شدت الرسالة إريكسون، خبير التشفير، وعرف أن سرا ينتظره في الملف الرقمي للصورة. هذا التكنيك الذي يعتمد على إخفاء الشيفرة بإحداث تغييرات متتابعة في الأصل الرقمي معروف للخبراء وتستخدمه أيضا دوائر الإجرام.

يتم مثلا إحداث تغيير لوني طفيف في كل 100 بيكسل، لتظهر صورة أخرى داخل الصورة الأصلية. بل إن بعض الخبراء يقولون إن تنظيم القاعدة استخدم هذا التكنيك للاتصال بأعضائه من خلال مواقع مكشوفة للعموم.

وجد إريكسون في ملف الصورة إشارة إلى الإمبراطور الروماني كلوديوس وبعض الأحرف عديمة المعنى. فكر إريكسون في احتمال أن تكون الأحرف “شيفرة قيصرية”، وهو أسلوب تشفير ينسب إلى الإمبراطور يوليوس قيصر، يعتمد على استبدال الأحرف بأخرى تبعد عنها منزلة معينة في الترتيب الأبجدي. مثلا، الباء تأتي على بعد منزلة واحدة من الألف. فإذا استخدمت الرقم واحد للتشفير، ستستبدل كل ألف في الكلمة الأصلية بباء في الشيفرة، وهكذا دواليك.

كان كلوديوس الإمبراطور الروماني الرابع، وبالتالي لو رجعنا في الأحرف المخبأة في الصورة أربع منازل إلى الوراء فقد نجد حلا ما. وهذا ما كان. فقد وجد إريكسون عنوانا إلكترونيا مخبأ في الصورة.


مفاجأة البطة


المفاجأة أن الموقع الإلكتروني كان عبارة عن صورة لبطة صفراء مكتوب عليها: “إممممم… لقد وقعت في الفخ.. يبدو أنك عاجز عن الوصول إلى الرسالة”.

لم يحبط ذلك إريكسون. فكر: ربما تكون البطة وما هو مكتوب عليها تلميحا لا أكثر. جرب أن يقرأ الصورة ببرنامج فك الشيفرة «آوت غيس». مفاجأة أخرى: كانت هناك رسالة أخرى مخبأة، قادته إلى أحد منتديات الموقع الشعبي “ريديت –Reddit”.

على المنتدى، ظهرت شيفرات معقدة ورموز كانت تستخدمها حضارة المايا، فبفك الشيفرة، ظهرت شيفرة أخرى.

يقول إريكسون “حتى الآن، لم تتطلب الرموز ولا الشيفرات مهارات عليا.. لكن في ما بعد، بدأ الأمر يتعقد”.

بدأت الألغاز تعتمد النظام الـ”ستة عشري”، في العادة، النظام العشري هو المستخدم، فكر في النسبة المئوية كنظام عشري، وتخيل أن تصبح النسبة من 16، بدأت الألغاز أيضا تستخدم تكنيكات الهندسة المعكوسة، وسلاسل الأعداد الأولية، ودائما تظهر صورة حشرة الزيز على الألغاز.

يقول إريكسون “عرفت أن دورة حياة حشرات الزيز تتكرر وفق أعداد أولية (مثل 13 أو 17)، لكي تتجنب دورات الكائنات التي تفترسها.. والآن بدأت مكونات الأحجية في التكامل”.

فكر: ربما تكون البطة وما هو مكتوب عليها تلميحا لا أكثر


شكرا لاتصالك


في المرحلة السابقة، حلل إريكسون الرموز المأخوذة من حياة المايا، وقادته إلى شيفرة أخذته بدورها إلى ديوان شعر يروي قصة استلام الملك الإنكليزي آرثر مخطوطات لنصوص دينية محلية من مقاطعة ويلز تعود إلى فترة ما قبل المسيحية.


أحد ألغاز "سيكادا"


ومن هناك إلى قصيدة إلكترونية نشرها الشاعر ويليام غيبسون عام 1992 على أقراص حاسوبية مرنة (فلوبي ديسك) برمجت لكي تحذف المحتوى بعد قراءة القصيدة مرة واحدة فقط.وبين كل مرحلة ومرحلة، ساعات من الجهد المضني لفك الألغاز.

هنا بدأ الآلاف من المبرمجين في التعاون لحل الألغاز على منتديات معروفة باستضافة نقاشات الفوضويين وقراصنة الإنترنت.

من أحدهم، عرف إريكسون أن تحليل الشيفرة المخبأة في القصيدة تقود إلى الرسالة التالية «اتصل بنا على الرقم 9608-390-214». كانت أيام قليلة فقط قد مرت منذ أن بدأ إريكسون في حل ألغاز “سيكادا”.

على الرقم الهاتفي الموجود في ولاية تكساس، تسمع رسالة آلية تطلب منك العودة إلى المرحلة الأولى واستخراج الأعداد الأولية في الصورة الأصلية. بضرب الأرقام بعضها ببعض، وجد إريكسون عددا أوليا جديدا هو في الحقيقة عنوان موقع إلكتروني com.845145127 حيث ظهرت ساعة تعد عدا تنازليا ورمز حشرة الزيز.

عندما وصل العد التنازلي إلى صفر، اختفت الساعة وظهرت محلها رموز لإعدادات جغرافية (جي بي أس) تقود إلى 14 موقعا حول العالم: في وارسو، باريس سياتل، سول، أريزونا، كاليفورنيا، نيو أورلينز، ميامي، هاواي، وسيدني.

تسابق آلاف الباحثين إلى حيث إعدادات (جي بي أس) وهناك وجدوا لوحات معلقة على أعمدة الإنارة يظهر عليها رمز حشرة الزيز، وشيفرة بصرية (QR) وهي شيفرة بالأبيض والأسود مصممة لكي تقرأها كاميرا الهاتف النقال وتقودك إلى موقع إلكتروني، ومن هناك إلى موقع مخفي (تور).

بعد أن زار الموقع عدد محدد من الأشخاص، ظهرت عليه الرسالة التالية “نحن نريد الأفضل، لا التابعين”.

هنا تنتهي قصة إريكسون، فهو كان أحد “التابعين” وفق وجهة نظر “سيكادا”، لكن ماذا جرى للمحظوظين الذين دخلوا الموقع قبله؟ لا أحد يعرف على وجه التحديد.

18