من وحي "الصفعة": نهاية الجغرافيا وعودة التاريخ

الأحد 2014/06/15

لم يكن أكثر المتشائمين والمتفائلين على حد السواء يتوقع مثل تلك النهاية “المأساوية” للمنتخب الأسباني في أول مباراة له في المونديال البرازيلي، هزيمة مذلة ودرس قاس لأبعد الحدود ضد المنتخب الهولندي الذي “ثأر” لنفسه من المنتخب ذاته، الذي حرمه في المونديال الماضي من الحصول على أول ألقابه المونديالية، رغم أنه خاض الدور النهائي في ثلاث مناسبات سابقة.

في مباراة كانت مفتوحة على كل الاحتمالات نجح المدرب الهولندي لويس فان غال في “بعثرة كرامة” المدرب الأسباني “العجوز″ دل بوسكي، حيث لقن الهولنديون نظراءهم في المنتخب الأسباني درسا لن ينسوه طول العمر، والأهم من ذلك أنهم أعلنوا عن أنفسهم كمرشحين فوق العادة للمراهنة على اللقب العالمي.

ولعل هزم البطل بخماسية كاملة في افتتاح المونديال أمر لا يصدق، ولم يسبق أن حدث على امتداد مختلف الدورات السابقة منذ سنة 1930، لكن لنتأمل تبعات هذه النتيجة في مباراة جمعت بين منتخبين قويين، فالمنطق يقول إن من كسب هذه المباراة سيكون بلا شك الأقرب للتأهل إلى الدور القادم، وتصدر المجموعة التي تضم أيضا منتخبي التشيلي وأستراليا.

والثابت أيضا أن هذا الفوز سيمنح المنتخب الهولندي جرعة هائلة من المعنويات التي ستخول له تكرار إنجاز النسخة الماضية، والوصول إلى المباراة النهائية، وهو قادر على ذلك. لكن هل خسر المنتخب الأسباني كل شيء؟

نظريا يمكن القول إن تلك الخسارة الموجعة والمذلة كشفت عيوب حامل اللقب، الذي بدا كعجوز هرم لا حول له ولا قوة، وليس بمقدوره الانتفاض وتجنب “الزلزال البرتقالي المرعب”، الخسارة قد تكون بمثابة الإعلان عن “وفاة” نظرية “التيكي تاكا” المعتمدة على الضغط العالي والتبادل القصير للكرة والتعويل على مهاجم “وهمي".

طريقة ساهمت سابقا في صحوة غير مسبوقة للكرة الأسبانية بعد أن هيمنت أوروبيا وعالميا على امتداد أكثر من سبع سنوات، جمعت خلالها كل الألقاب الممكنة على مستوى الأندية والمنتخبات. لكن اليوم تغير كل شيء في لحظة وخرج “المارد” الهولندي من القمقم ليهدم هذا الأسلوب، ويعلن عودة كرة الزمن الجميل التي ترتكز أساسا على تأمين جيد دفاعيا من خلال ثلاثة مدافعين أمام الحارس، والأسلوب الهجومي السريع القادر على اختراق كل الدفاعات..

هكذا كانت الكرة في حقبة الستينات والسبعينات، وهكذا نجح المدرب فان غال في مغالطة منافسه دل بوسكي.. لقد عاد مدرب منتخب هولندا إلى البحث في دفاتر الزمن، وأراد إعادة التاريخ إلى الوراء، وكان له ما أراد على الأقل في المباراة الأولى.

بينما تبين أن التوسع الجغرافي للمنتخب الأسباني بدأ ينحسر ولم يعد بالإمكان منطقيا التقدم أكثر بهذا الأسلوب الذي بات أشبه بكتاب مفتوح أمام الجميع، ولعل عدم تفطن دل بوسكي إلى الإنذار الأول عندما تراجع مستوى فريق برشلونة الذي بات بدوره بحاجة إلى تغيير أسلوب لعبه، ودفن “التيكي تاكا” كان من أهم أسباب هذه الصفعة الموجعة..

عموما يبقى هامش التعويض ممكنا أمام المنتخب الأسباني، لكن بأي ثمن وبأي وجه؟ ربما يتعين على المدرب دل بوسكي إحداث ثورة سريعة والتخلص سريعا من تبعات “التيكي تاكا”، عله ينجح في حفظ ماء “الماتادور” الأسباني، وتصح مقولته التي أدلى بها عقب المباراة “البطل الحقيقي لا يستسلم”.

23