من وحي سحر مانديلا

الثلاثاء 2013/12/17

ظلت قضية اللون أو العنصر همّاً وهاجساً يقضّ مضاجع الأفارقة على اختلاف مشاربهم زمناً طويلاً. فما حدث من فظائع قديمة سوّدت صحف التاريخ الإنساني وما يحدث الآن من صراعات ذاتية يحاول بها الأفارقة الخروج من نفق التمييز من خلال الانتصارات المختلفة، كان بسبب استحواذ هذا اللون على حيز واسع من الوجدان الأفريقي.

أحياناً يتبادر إلى ذهن المتابعين أنّ أي نجاح أفريقي سياسياً كان أو أدبياً أو فنياً لا يأتي إلا ممزوجاً بتواجد كبير. هذا التواجد خلقته حقيقة الفعل والانفعال في خلد الإنسان الأفريقي نتيجة المعاناة الطويلة. فهو يلمس الأشياء والأحداث بروحه وعقله فتخرج لنا قصة واقعية مثل حياة الأسطورة نيلسون مانديلا المتوجة بالنضال والتسامح، أو مثل خطبة مارتن لوثر كينغ المؤثرة “لدي حلم”، أو رواية الكاتب الأفريقي الأكثر شهرة “تشينوا أتشابي” تلك الرواية العميقة “الأشياء تتداعى”، أو النجاح الذي حققه باراك أوباما في فوزه في الانتخابات الرئاسية الأميركية ليصبح أول رئيس أميركي من أصول أفريقية لدورتين متتاليتين.

أثار رحيل نيلسون مانديلا هذا الشهر، موجة من الحزن في بلاده والقارة الأفريقية، بل أتى صدى هذه الأحزان من أركان المعمورة على هذا القائد الفذ الذي يمثل أحد أهم الرموز التي تركت بصماتها على تاريخ النضال الإنساني ضد نظام الفصل العنصري (الأبرتهايد). ولكن رغم نبل الحزن الكوني على الأيقونة مانديلا، إلا أنّ هناك غشاوة خفيفة حاول كثير من المثقفين محوها من العقل الباطن الأفريقي. وذلك بتأكيدهم على أنّ المكانة التي نالها نيلسون مانديلا في قلوب الشعوب صافية من شوائب التكفير عن الذنوب عن سياسة الفصل العنصري، لأنّ هذا الحب لم يأتِ صدفة ولا عطفاً وشفقة ولكن بالعمل الدؤوب والتجارب المريرة في السعي لنيل الحرية، فقد أخذ هذا الطريق الشائك من مانديلا أنضر سنوات عمره حتى تحقق ما هو أكبر من الحلم.

كان حلمه الانحياز إلى شعبه والدفاع عن حريته، ولكن تحققت معانٍ لمجابهة كلّ أشكال الظلم في العالم. كان كل يوم في سنوات سجنه السبع والعشرين يصقل معدن مانديلا ويزيده بريقاً، وكانت السنوات الطوال التي قضاها حبيساً في جزيرة روبن من 1964 حتى خروجه في 1990، تزوده بقناعة التآخي والإيمان بفكرة وحدة جنوب أفريقيا. فخرج بفضل صبره وصموده على سنوات السجن والمقاومة قوي الروح ممتلئاً تفاؤلاً بأن يرى بلاده على نفس القدر من التسامح، فبدلاً من أن تحرره، قام هو بتحريرها من البغضاء لكي تحتضن الظالم والمظلوم معاً.

الناظر في تاريخ نضال مانديلا لابد أن يرى أثر السحر الذي استمده من روح المهاتما غاندي القوية، ومعنى أن تنزع إلى التآخي عندما يكون الحق والقوة إلى جانبك، كما استمده من مارتن لوثر كينغ وحلمه الذي تحقق بالمساواة في الحقوق المدنية، فمن يرى مانديلا يرى ظلالاً من أرواح وأفكار غاندي ومارتن لوثر معاً. كما استلهم أجمل المعاني التي أعانته على الصبر في سجنه من وحي قصيدة الشاعر الأيرلندي وليام إبنتلي (1849-1903) “إنفيكتس وتعني “الذي لا يهزم” والتي صارت اسم الفيلم الذي خلد سيرته عام 2009.

استشعر مانديلا بعبقريته الفذة ضرورة تطهير روح شعبه من ضغينة الانتقام، فكانت محاكم الحقيقة والمصالحة (1996-1998) بقيادة صديقه القس ديزموند توتو الذي رعى الفكرة منذ الثمانينات، وخلت الفكرة حتى من القصاص المعنوي وإنما أرادت بث روح التآخي من خلال طي صفحات أربعة قرون من ظلم المستوطنين البيض للسود، وفتح صفحة إنسانية من تآخي السود والبيض ووحدتهم في بلد متعدد الأعراق. وقد كانت جنوب أفريقيا مؤهلة للتقسيم إلى دويلات خطط لها البيض منذ عام 1948، ولكنه استطاع أن يخلق من هذا البلد المتنوع وطناً واحداً يعيش فيه البيض والإنكليز والأفريكان والبقية من هنود وأجناس مختلطة.

تكمن وراء روح مانديلا المتسامحة شخصية صلبة، فقد تحمل معاناة السجن من أجل قضيته، ولم ينهكه العذاب ولم يضعفه بل زاده قوة وملأه بروح غذاها بالتسامح والعفو عند المقدرة فقرر عندما كان يخطو إلى خارج زنزانته نحو البوابة التي قادته إلى الحرية: “أدركت أنّني لو لم أترك مرارتي ومقتي خلفي، فإنّني كنت سأظل سجيناً حتى الآن”. من حسن حظ هذا الجيل أنّه عاش عصر مناضل أوقد سراج الحرية واتقد بها. فلنا الفخر بأنّنا عشنا عصر مانديلا الذي ستبقى ذكراه كما كانت حياته خالدة على صفحات الزمن، وسيبقى أيقونة النضال ضد كل أنواع الظلم في العالم.


كاتبة سودانية

9