من يبكيك بعد الرحيل

الاثنين 2016/12/05

مكانتك في قلوب الآخرين، وكيف تصنع مكانتك في قلوبهم، أو من يبكيك بعد الرحيل، أي رحيل موتا كان أم سفرا، سؤال ألح علي كثيرا بعد جملة عابرة صبتها صديقتي في أذنيّ قائلة “حين أموت لن يتذكرني أولادي ولن تتغير حياتهم”.

تركتني وانتهى الحديث، إلا أن عقلي لم يتوقف عن التفكير في المكانة التي نصنعها في قلوب أبنائنا وأصدقائنا وكل من حولنا بشكل عام، تلك المكانة التي لا تملؤها مجرد الذكريات عند البعض وتترك عند البعض الآخر مساحة فراغ شاسعة بحجم أفعالنا، أو ربما لا تساوي شيئا عند الآخرين ويكون الراحل مجرد عابر سبيل في حياتنا، أدركت بعد تفكير عميق أن الحيز الذي يملؤه الإنسان في حياة غيره هو ذات الفراغ الذي يخلفه وراءه.

نماذج عديدة تملأ حياتي وحياة من حولي بسيدات ورجال يعدون أعمدة رئيسة في حياة أبنائهم وأصدقائهم المقربين، صديقة عزيزة تصنع الذكرى دائما مع أبنائها، تسهر معهم وتخرج للتنزه، تمنح الجميع، كل على حدة مساحة خصوصية كبيرة تسمع بتبادل أدق التفاصيل وأجملها، وأخجلها، تدخل حياة أبنائها كصديقة ثم تقفز على مقعد الأم بكل حسم وحزم حين تجد ما يستحق التدخل، وسرعان ما تعود إلى دور المحبة لأبنائها، باختصار تملأ معهم فراغات الحياة وترسم لهم أطرا لكل العلاقات أحيانا من باب الحماية، وأحيانا من باب الخوف، ولكن دائما تظل العلاقة في إطار الحب غير الخانق.

ما أغفلت ذكره صديقتي الموقنة بنسيان أبنائها لها بعد الرحيل هو أنها في حياتهم مجرد رقم وإلى جواره “جنيه مصري” فقط لا غير، فهى تمنح وقتها لشغلها ونجاحها دون الاكتراث بتلك الفاتورة العالية التي يدفعها أبناؤها الصغار الذين تترك أمر رعايتهم لعاملة تهتم بشأن المطبخ ونظافة المنزل أكثر مما تهتم لأمر الصغار، تصنع مجدها الشخصي ويدفع الأولاد وحدهم الثمن، قد لا تعرف تفاصيل حياة أبنائها وربما القشور أيضا.

أداعب ابني الصغير دائما بمقولة: أنا أمك الوحيدة، ويرد بضحكته البريئة وهل للإنسان أكثر من أم، هل لدي خمس آخريات!. أستدرجه “احكي لي صديقي يومياتك” وبدوري أحكي له يومياتي في العمل والبيت وتفاصيلي، حتى اعتدنا أن يبادر كلانا الآخر بماذا فعل في يومه ولا نكتفي برؤوس العناوين، أخترق تفاصيله وأعيش أحلامه، ربما ألعب بطائرة ورقية على البحر، أو أرسم قطة على وجهي، أو الاستمتاع الحقيقي بمشاهدة فيلم كارتون.

أرى الأمومة أبعد من مجرد ملء خانة في شهادة ميلاد ابني باسمي، وأرى الصداقة أعمق من تعارفنا في جلسات السمر “فلانة صديقتي” دون أن أمنحها قلبي واهتمامي وتمنحني بعضا من روحها، أشاركها فرحها أو تشاطرني أحزاني.

في حياة أسرتي صديق أقرب منه إلى الأخ، يسكن مدينة الضباب ونسكن بلاد الشمس ولكن تواصلنا كما لو كان معنا في نفس العقار، موجود في تفاصيل حياة أسرتي بكل حب ومودة، نجده وزوجته في أحلك الأزمات كنسمة صيف باردة ، في مرض زوجي، إصابة ابني، نجاح الآخر، تواصلنا رغم البعد الجغرافي رائع.

لدي صديقة تزوج أبناؤها في بيتها “متعدد الطوابق” ومازال الجميع متعلقين بها كما لو كانوا لا يزالون في معيتها أطفالا، يلجأون إليها رغبة في النصيحة واحتياجا لحضنها الدافئ، تغمرهم بسعادة عجيبة، لم أر في حياتي علاقة أم بابنتها كتلك التي تربطها مع ابنتها، حتى الولد تملأ حياته بالحب والحنان فيلجأ إليها وطنا، وملاذا، لا تعرف الصراع السخيف بين الحماة وزوجة ابنها، ولكن تحتوي زوجة الابن بكل الحب والتفهم، تدير شؤون حيواتهم جميعا بكل حب ودون تأفف، أو رفض وتذمر، ليس من باب التدخل والتلصص على حياة أبنائها، ولم تجعهلم نسخا باهتة لأطفال في ثوب الكبار لا يزالون معلقين في ثوب أمهم، كما يتبادر إلى الذهن من الوهلة الأولى، ولكنه الحب بكل تفاصيله وأدقها وأعمقها.

باختصار أنت في حياة غيرك ذلك الحيز الذي يملؤه وجودك معهم، والفراغ الذي يتركه رحيلك عنهم.

كاتبة من مصر

21