من يتعمد تعطيل المجلس الأعلى للقضاء في تونس

الجمعة 2017/01/06

تهتم الفصول الثلاثة 112 و113 و114 من دستور 27 يناير 2014 في تونس بالمجلس الأعلى للقضاء، باعتباره الضامن لتركيز سلطة قضائية مستقلة عادلة تضمن الشعور بالثقة والراحة والأمن للمتقاضين، سواء أكانوا تونسيين أم أجانب.

وكانت الفصول المتعلقة بهذا المجلس فصولا ثورية متقدمة أشواطا على نظيراتها في الدول العربية، لا سيما أن أغلبها كان نتيجة نضالات من المنظمات الوطنية والمجتمع المدني وجمعية القضاة التونسيين وهذه الأطراف تصدّت السنتين اللتين استغرقتهما كتابة الدستور لكل المحاولات لتمرير فصول أو فقرات ترهن السلطة القضائية بأي شكل للسلطة التنفيذية أو للسلطة السياسية.

وقد نص الفصل 112 على تركيبة المجلس الأعلى للقضاء، إذ يتكون من أربعة هياكل هي مجلس القضاء العدلي ومجلس القضاء الإداري ومجلس القضاء المالي والجلسة العامة للمجالس القضائية الثلاثة. ويتركب المجلس عبر آليتين اثنتين هما الانتخاب للأغلبية والتعيين بالصفة للبقية من الأعضاء الذين يسمون أعضاء حكميين.

ويبدو أن حجر الزاوية في قانون المجلس الأعلى للقضاء هو الفصل 113 الذي نص على تمتعه بالاستقلال الإداري والمالي وبالتسيير الذاتي، وهو الذي يعد ميزانيته ويناقشها أمام مجلس نواب الشعب. فالسلطة التنفيذية القائمة، ومن ورائها السلطة السياسية المتكونة من حزبي نداء تونس وحركة النهضة ترغب جميعا في تحجيم هذه الاستقلالية، وفي كبح جماح هذه السلطة وجعل مقودها بين يديها.

وتجلّت هذه الرغبة في احتواء السلطة القضائية وتدجينها في تعمّد رئاسة الجمهورية وحكومتي الحبيب الصيد ويوسف الشاهد على التوالي عدم سد الشغورات الحاصلة في تركيبة المجلس، أي بإصدار رئاسة الحكومة لأوامر تعيينات تسدّ الشغورات التي طرأت على خطط قضائية تسند لمن تقلدها صفة العضو الحكمي بالمجلس الأعلى للقضاء.

لا شيء يبرر هذا التعطيل المتعمّد لتركيز المجلس الأعلى للقضاء وهو السلطة القضائية العليا إلا بالخوف الذي تردد على ألسنة قياديين من حزبي نداء تونس والنهضة مما يسمونها نشأة دولة القضاة، فهم يعتبرون الالتزام بنص الدستور الذي يلح على الاستقلالية التامة للمجلس الأعلى للقضاء مجازفة كبرى، إذ قد يفلت زمام الأمور من بين أيديهم ويصبحون عاجزين عن توظيف القضاء طبقا لمقتضيات أجنداتهم السياسية.

وقد نجحت السلطة التنفيذية في دفع الأمر نحو الورطة العويصة إذ انقضت الآجال الدستورية ولم تجتمع هيئات المجلس الأعلى للقضاء، في الوقت الذي بلغ فيه رئيس الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي سنّ الإحالة على التقاعد، وهو الوحيد الذي يخوّل له الدستور دعوة هيئة المجلس الأعلى للقضاء الجديدة للانعقاد وتسليمها مقود العدالة مقابل حل الهيئة الوقتية لانتهاء الصلاحية.

وبالنظر إلى الورطة التي يجد المجلس الأعلى للقضاء نفسه فيها، وإلى عدم انعقاده لفقدانه النصاب القانوني، ولعدم سدّ الشغورات الحاصلة في الخطط القضائية العليا وهي خطة وكيل دولة عام لدى محكمة التعقيب وخطة رئيس أول لمحكمة التعقيب وخطة رئيس المحكمة العقارية وخطة مدير المصالح العدلية، فإنّ الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي مـازالت تمارس نشاطها.

فالواقع الآن يتمثل في وجود مجلس أعلى للقضاء منتخب ولكنه معطل عن العمل، رغم تسرّع رئاسة الجمهورية في دعوة أعضاء المجلس المنتخبين لأداء اليمين الدستورية مع علمها بعدم اكتمال النصاب القانوني وذلك يوم 20 ديسمبر 2016، وهيئة وقتية للقضاء العدلي منتهية الصلوحية، بحكم نص الدستور والقانون اللذين ينصان على ذلك متى تم انتخاب المجلس الأعلى للقضاء، ولكنها ناشطة.

هذه الورطة بالضبط هي ما أرادته السلطة التنفيذية ومن ورائها حزبا نداء تونس والنهضة. طبعا هناك ملفات كبرى لم يفتحها القضاء التونسي بالجدية الكافية بل مازالت خارج دائرة تناول القضاء المستقل، من ذلك قضايا اغتيال المعارضين السياسيين مثل الشهداء لطفي نقض في 2012 وشكري بلعيد ومحمد البراهمي في 2013.

وهناك ملفات الإرهاب وجمعيات التجنيد ومدى تورط بعض الأحزاب في الموضوع. وهناك ملف السيطرة على المساجد وتجنيد الأئمة لخدمة أجندات سياسية بعينها. وهناك ملفات الفساد السياسي والإداري الذي تفضحه الهيئة العليا لمكافحة الفساد وتعجز عن متابعته قضائيا إلى حدّ الآن. وهناك ملف التهرّب الضريبي والتهريب والإثراء المشبوه.

إن تعطيل انبعاث المجلس الأعلى للقضاء من قبل الحزبين الكبيرين في تونس ومن ورائهما السلطة التنفيذية ممثلة في رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية، رغم أنه وليد المجلس التأسيسي الذي كانت تتربع على أغلبيته حركة النهضة وهي التي حبكت فصوله، يعني أن النوايا في استقلال القضاء غير موجودة وأن لدى هذه الأحزاب ما تخفيه وما تخشى منه وعليه.

ووضع الورطة الذي دفع إليه المجلس الأعلى للقضاء اليوم خرج عن إمكانيات التعاطي القانوني والدستوري، إذ انقضت الآجال الدستورية وتوقفت المراحل القانونية لتفعيل المجلس وصارت فاقدة للمعنى. كما تعمقت هذه الورطة بين الهياكل القضائية المتناحرة على غرار جمعية القضاة ونقابة القضاة اللتين تتبادلان التهم وتتنافسان على تنظيم حركات احتجاجية كالوقفات أمام قصر الحكومة بالقصبة أو أمام قبة مجلس نواب الشعب بباردو.

فجمعية القضاة تتهم النقابة بخدمة الائتلاف الحزبي القائم بين نداء تونس والنهضة وسحب البساط من تحت القضاة المستقلين الشرفاء. ونقابة القضاء تتهم الجمعية بالانتقام لفشلها في الفوز في انتخابات المجلس الأعلى للقضاء. وبين تهمتي الانحياز للسلطة والانتقام من الفشل الانتخابي تضيع العدالة في تونس وهي الجدار الذي يتكئ عليه التونسيون مطمئنين.

ولم يبق الآن لجميع الأطراف إلا الالتجاء إلى ما يسمونه السر التونسي في التعامل مع الأزمات ونعني به التوافق. والتوافق لا يمر إلا عبر التفاوض والحوار. وللحوار في تونس أربابه ونعني المنظمات الأربع الكبرى، وهي الاتحاد العام التونسي للشغل، ومنظمة الأعراف، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والهيئة الوطنية للمحامين.

وكانت هذه الأخيرة قد دعت في بيان لها مؤخرا منظوريها من المحامين المنتخبين صلب هيئات المجلس الأعلى للقضاء إلى العمل على تقديم تصورات لحلول مقبولة من جميع الأطراف. كما عبّرت عن استعدادها للوساطة في حلّ هذه الأزمة المتشعّبة.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

8