من يتفاوض باسم المظلومين في سوريا والعراق

الخميس 2014/09/04

مشكلتنا مع المثقف السني المصري مثلا هي أنه رجل علماني ويحارب الإخوان المسلمين، لهذا هو يتخذ موقفا في الشأن العراقي انطلاقا من فهمه البسيط للقضية. على اعتبار الأخ علمانيا معاديا للإسلام السياسي بأنواعه كافة. من هنا استطاع الصفويون تحييد الكثير من السنة في الصراع العراقي. ما نقوم به هو تفسير القضية الطائفية المعقدة للقارئ العربي، وعلينا أن نشرح له بوضوح بأن كونه ملحدا أو سرياليا لا يمنع من دعمه للسنة العراقيين أو السوريين الذين يدافعون عن وجودهم وحياتهم وثقافتهم.

لو كان عند الملحدين السنة جيش وفدائيون لصعدنا على دباباته وألقينا القصائد الحماسية، ولكن كما ترون حتى جيش النقشبنديين التابع لحزب البعث بدا وكأنه يعاني من أضرار التدخين والكوليسترول. السني العربي مطالب بأن يخرج من ثنائية النور والظلام المانوية، فالمشكلة أعقد بكثير من استخدام المسواك قبل الصلاة أو شرب الويسكي الاسكتلندي. في العراق نحن أمام تدافع حقيقي للأمم، هذا التدافع ينتج الأفكار، وليس الأفكار تنتج التدافع. بينما في مصر مثلا لا يوجد تدافع أمم، بل مجرد تدافع سطحي عرضي للأفكار، لهذا نحن لا يهمنا صراعهم ونعتبره سطحيا.

الشيء الوحيد الذي يهمنا أن الرئيس القومي العربي عبدالفتاح السيسي أكثر حزما في مواجهة المشروع الصفوي من مرسي وبديع. شعبي في محنة، وهو في غالبيته طيب وفي غاية السذاجة أحيانا، مهمتي تزويده بالأفكار دائماً حتى لا يقع في هزيمة الجدل التي تترك الألم والجرح بلا صرخة حقيقية ومؤثرة. دائماً وجود الكارثة في الواقع أسهل على الناس من تحولها إلى وعي. الفلسفة تعلمنا بأن الإنسان هو ضحية دائمة للحواس وخداع الذات.

منذ سقوط الموصل انفصلنا سياسيا عن حكومة بغداد. لم يعد يهمنا لا رئيس وزرائهم ولا برلمانهم، بل هناك اليوم صراع جديد على النفط بين الدولة الإسلامية والدولة الكردستانية. انفصال نفسي وجغرافي وسياسي حصل وانتهى الأمر. الشعب الجديد الممتد من الموصل إلى حلب، ومن الفلوجة إلى دمشق يقاتل الآن ويكافح الإبادة.

كيف لا يحدث انفصال نفسي ومدينة الفلوجة مثلا، قد تعرضت لأكثر من 55 هجوما كبيرا من قبل الجيش والميليشيات منذ أكثر من ثمانية أشهر وإلى حد هذا اليوم. جميعها باءت بالفشل الذريع، وسُحق الجيش والميليشيات، وعدة فرق عسكرية تدمرت على الأسوار. آلاف الجنود قتلوا، والمئات أسروا، ومئات الآليات تم الاستيلاء عليها. وما زالت تتعرض لأكبر حملة إبادة جماعية في ظل صمت عربي ودولي مطبق. براميل وصواريخ تتساقط، ليلا ونهارا، على رؤوس العوائل، أشلاء مقطعة ومحترقة في الشوارع، وعوائل بأكملها تحت أنقاض منازلها التي هدمتها البراميل، مئات المنازل سويت بالأرض، وما يقرب من الألف شهيد و3000 جريح غالبيتهم من النساء والأطفال. أكثر من 30 جامعا قصفه الجيش، ومستشفى الفلوجة تم قصفه أكثر من 30 مرة. كارثة إنسانية بكل معنى الكلمة.

الحزب الإسلامي الذي يفاخر بأوردوغان نسأله: هل منعنا الجيش التركي من دخول دمشق لحماية السنة في سوريا؟ هل منعناه من دخول بغداد لحماية المساجد والسنة من التهجير؟ ربما الجيش التركي يدخل الآن لإعادة الموصل إلى السيستاني، والرقة إلى بشار الأسد. كم شابا سعوديا مسكينا خدعه التطرف وضحى بحياته ومستقبله في سوريا، مقابل كم شابا تركيا ضحى بحياته لأجلهم؟ الذين يمجّدون أردوغان في العراق يمتلكون روح عبد رديء مفاخر بسيده، ليس لأنه يضحي في سبيله، أو يمنحه شيئا، بل يبيعه ويشتريه غير أن العبد يظل فخورا بقصور سيده، وذكائه، ونجاحه. رئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد عمل بائع موز في شبابه، ثم بنى ماليزيا الحديثة المسلمة التي نراها اليوم، مع هذا لا يطالبنا أحد بمبايعة ماليزيا. ثم إن إيران ملأت سوريا والعراق بضباطها المحاربين، بينما لم نسمع بمقتل ضابط تركي واحد في سبيل مغتصبات العراق، أو أطفال حلب.

ماذا قدمت تركيا للسنة في محنتهم الكبرى بين العراق وبلاد الشام؟ ومتى كان آخر تهديد تركي لوقف مجازر إيران الطائفية في المنطقة؟ على العكس نسمع من المخابرات الأميركية بأن الحصار الاقتصادي على إيران، لا يمكن أن ينجح بوجود تجارة ذهب وغسيل أموال في أسواق تركيا.

نحن نعلم بأن المملكة العربية السعودية أنفقت جهودا وأموالا لمكافحة الإرهاب، والشاب الذي يلتحق بالإرهاب لا يكسر قلب عائلته فقط، بل يعرض نفسه للمحاكمة وأقسى العقوبات.

غير أن ما يهمنا هنا هو كيف يقع شاب متعلم في فخ التطرف؟ أليس لأنه يسمع أمه الحجازية تبكي على أطفال حلب؟ ويسمع أباه النجدي يلهج بالدعاء لبنات الفلوجة والأعظمية بالستر والبركة؟ نعم نكافح ظاهرة الإرهاب والتطرف، ولكن لا ننسى الشعوب المحلقة بقيمها الروحية التي تتعاطف مع المسلم الضعيف والمهجر والقتيل.

نريد القضاء على الإرهاب غير أننا لا نريد عملاء الصفويين يتفاوضون باسمنا ولا الصحوات. أنا شخصيا أتمنى أن يتفاوض سياسي مخضرم مثل الأمير تركي الفيصل باسم الشعب السني في سوريا والعراق، ويخرج باتفاق دولي نهائي يجبر إيران على وقف المشروع الصفوي في المنطقة، وإعادة الحقوق والسلام والحياة المدنية العربية للشعب العراقي والسوري.


شاعر عراقي مقيم في كندا

8