من يجب أن يسبق من، التنمية أم الديمقراطية

السبت 2014/05/03

إن من أهم غاياتنا وتطلعاتنا في البلاد العربية هو اللحاق بالأمم المتقدمة حتى يكون لنا موضع قدم بين هذه الأمم تحت الشمس، وحتى نحدد المسار السليم الذي علينا اتخاذه إلى هذا المبتغى فأي الطرق نسلك؟ نطبّق الديمقراطية أم نبدأ بالتنمية قبل الديمقراطية؟

وللأخذ بين هذا وذاك فقد تمعنت النظر بأعمال منظرين وسياسيين كان لهم باع طويل وتجربة عميقة ورؤية سديدة في هذا الموضوع، فاخترت لذلك (Amartya Sen) أمارتيا سن، وهو اقتصادي هندي حائز على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية عام 1998، أما الشخص الثاني فهو (Lee Kuan Yew) لي كوان يو، رئيس وزراء سنغافورة السابق.

تنطبق آراء سن مع الرؤية الغربية التي تقول إن الديمقراطية وحقوق الإنسان هما أساس التنمية لأن لا تنمية دون ديمقراطية وحريات، وقد أوضح سن ذلك في كتاب «التنمية مثل الحرية» أن الديمقراطية هي عامل محوري للتنمية، وأن من أهم قيمها حرية الفرد لاختيار أية عقيدة أو تقليد دون التقيّد بأية سلطة دينية أو سياسية ينتمي إليها. إن هذا يستلزم أيضا أن تكون الشعوب تحظى بقدر كاف من التعليم ويكون لديها إحساس بالمسؤولية مع وجود الأمن هذا مع ممارسة الضغوط على الحكومات من خلال نيل الحقوق السياسية مثل التصويت، وانتقاد الحكومة، والتظاهرات والاحتجاجات، فهذه جميعا تعمل على تحقيق أهداف المواطن.

أما رؤية لي كوان يو فتأتي على نقيض ذلك فهو يرى أن التنمية يجب أن تسبق الديمقراطية، وقد شدد على أن الديمقراطية يجب أن تطبّق في الدول التي يسود فيها النظام والاستقرار وليست في حالة من الخلافات والفوضى، فلا بد أن تكون الشعوب قد وصلت إلى مرحلة من الانضباط والقدرة على تحمل المسؤولية دون رقيب من أحد، كما أن الديمقراطية لا تنجح إلا عندما تكون ثقافة التسامح هي السائدة.

لقد كرر لي في كتابه (From Third World to First) “من العالم الثالث إلى الأول” أنه لو طبقت الديمقراطية فور الاستقلال في ماليزيا عام 1965 لتسبب ذلك في كارثة، حيث كانت سنغافورة تعاني من مشاكل أمنية، واقتصادية، واجتماعية وفساد مالي وإداري.

إن لي يرى أنه قبل تطبيق نظام ديمقراطي يجب تخطي كل تلك المعوقات وأن يتطور التعليم والاقتصاد، وأن تتكون طبقة وسطى وأن تكون الحياة ليست مجرد سعي وراء متطلبات الأساسيات فقط.

على ضوء ما ذكر نجد أن آراء سن نظرية بحتة وتنقصها الدراسة الميدانية، فلو أن هذا الرجل عرّج على البلاد العربية لاكتشف أن الخطاب الديني التكفيري السائد لا يؤمن بالحريات التي ذكرها.

أما المتطلب العلمي الذي نادى به فهو نادر الوجود، حيث أن نسبة الأمية في العالم العربي تصل إلى 35.6 بالمئة على أقل تقدير وهذه النسبة تأخذنا إلى تقييم نوعية التعليم الذي ينتج أنصاف متعلمين يكونون أحيانا أخطر على المجتمع من الإنسان الأمي.

وعن ضرورة الأمن الذي ذكره سن، فأين الأمن المنشود في بلاد الانتفاضات العربية وأين المجتمعات المسؤولة القادرة على أن تتظاهر وتحدث تغييرا يحقق أهدافها؟ في الحقيقة لم نشاهد سوى الفوضى وغياب الأمن والاستقرار، وأن مرارة واقع تلك البلاد هو ما دفع الشعب الجزائري لانتخاب عبدالعزيز بوتفليقة لولاية رابعة خوفا من الوقوع في نفس مصير تلك البلدان الأخرى المأساوي. لذلك نجد أن أغلب شعوب المنطقة صارت تفضل الاستقرار على الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وبالتالي يتضح لنا أن نظرية سن لا فقط لم تلق النجاح في العالم العربي بل إنها أدت إلى نتائج عكسية وهي إما نظام ديكتاتوري وسلطوي مثل نظام نوري المالكي في العراق الذي يظهر كأنه صدام حسين الذي تقمص دور الشيعي المنتخب، وإما تدمير كيان الدولة وانتشار الميليشيات الإرهابية مثل الوضع في ليبيا الذي سيكون خطره لا فقط على المنطقة بل على العالم بأسره. ولا أدري ماذا سيقول سن لو رأى ما جرى في الفلوجة قبل أشهر عندما اجتمع في ساحات الاعتصام رجال دين ووزراء وأنصاف مثقفين ورجال قبائل مع تنظيم القاعدة وكانوا يهتفون طربا ويرددون أهازيج القاعدة الداعية للقتل وسفك الدماء.

فمن الملفت للنظر أن الدول الغربية وعلى رأسها أميركا تشدّد على تطبيق الديمقراطية في الدول العربية ولكنها لا تذكر أن النظم الليبرالية سبقت النظم الديمقراطية في أوروبا الغربية. ففي بريطانيا، التي لديها أقدم نظام ديمقراطي في العالم، كانت دولة دستورية ليبرالية طوال القرن التاسع عشر ولم تصبح ديمقراطية بالكامل حتى عام 1930، أما فرنسا فلم تصبح ديمقراطية إلا في عام 1945 أي 150 سنة بعد الثورة الفرنسية. فلماذا تطالب الدول الغربية العرب بتطبيق الديمقراطية فورا دون المرور بالمرحلة الليبرالية وهم بأمس الحاجة إليها.

الليبرالية هنا لا تعني تقليد الغرب، بقدر ما تعني تحرير المنطقة من الفكر الديني التكفيري المتطرف وكل أشكال التخلف والأخرى لكي تبدأ عصرا تنويريا تكون الديمقراطية وسيلة لتحقيق أهداف تنموية وليست غاية بحد ذاتها.

إن ما يؤكد متانة نظرية لي كوان يو ما نراه اليوم من نجاح في دبي التي طبقت نظريته. حيث لم يخف الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حاكم دبي، إعجابه برئيس وزراء سنغافورة السابق وقد ذكر في إحدى المناسبات: «أن لي كوان يو نجح على مدى جيلين في تحويل بلاده إلى وجهة عالمية للأعمال والسياحة، كما استطاع أن يبرهن كيف تكون الإنجازات رائدة عندما تكون الرؤية ثاقبة والإرادة صلبة والعمل جادا».

والذي يتتبع ما تشهده دبي من تنمية وتطور يجدها تشبه سنغافورة في كثير من الأمور، ولهذه الأسباب التنموية والبنية التحتية الجيّدة وتوفر الفرص جاءت الإمارات ودبي تحديدا كأول دولة يفضل الشباب العربي العيش فيها.

أيضا وضع المرأة في دبي يشجع الكثير من الشابات العربيات على العيش فيها، حيث أن دبي تجاوزت مرحلة تمكين المرأة، فتطوّر المجتمع وصار يعتمد على المرأة ولا عجب في أن الإمارات تصدرت العالم في احترام المرأة.

إن نظرية أمارتيا سن ورؤية لي كوان يو تضعنا أمام مفترق طرق. فنظرية سن جاءت من خلال ما هو قائم في الغرب وأوصى بتجييرها إلى العالم الثالث دون أي محاذير أو اعتبارات جوهرية. إن هذا يشبه المزارع الذي يريد أن يزرع ورد جوري في تربة صحراوية قاحلة لم تهيأ بعد للزراعة.

أما رؤية لي فإنها تقول أنا لا أنظَر بل أنا أطبّق ما أراه على أرض الواقع، فتعال إلى سنغافورة لترى بعينك وتلمّس بيديك ثم أحكم بكل حواسك وعقلك على ما تم إنجازه في هذه البلاد الصغيرة- الكبيرة التي تعتبر نمرا من نمور آسيا.


أكاديمية وإعلامية سعودية

8