من يجرؤ على جر بريطانيا خارج الاتحاد الأوروبي؟

الأربعاء 2016/07/13

تتزايد المؤشرات يوما بعد يوم، على أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيكون في غاية الصعوبة، وقد لا يتمكن أي زعيم سياسي من تفعيل الفقرة 50 من ميثاق الاتحاد الأوروبي، لإطلاق مفاوضات الانفصال.

يتضح ذلك في الارتباك السياسي الذي عصف بجميع الأحزاب الكبرى، ومسارعة زعماء البريكست مثل بوريس جونسون عمدة لندن السابق ونايجل فراج زعيم حزب الاستقلال، إلى الانسحاب من الساحة السياسية، بدل الاحتفال بالانتصار المفاجئ.

هل يكشف ذلك أن كبار قادة البريكست، كانوا يستخدمون الورقة للمزايدة السياسية ولم يكونوا يتوقعون تحقيق النجاح، مثلما فوجئت الأسواق وقادة الأعمال والمؤسسات المالية العالمية وجميع المراقبين؟

على مدى ثلاثة أسابيع تكشّف حجم الورطة التي سقطت فيها بريطانيا، والعنوان الأبرز فقدان الجنيه الاسترليني لنحو 15 بالمئة من قيمته، وهي خسارة غير مباشرة وبنسبة مماثلة لجميع الأصول البريطانية من العقارات إلى الأسهم وجميع النشاطات الاقتصادية.

ذلك الانخفاض هو فقط الضربة الشاملة، قبل الخوض في الخسائر التفصيلية، التي بينها إعلان الكثير من صناديق الاستثمارات العقارية أنها فقدت أكثر من 15 بالمئة أخرى من قيمتها.

إصرار الحكومة البريطانية، التي ستتولى رئاستها تريزا ماي اليوم، على أنها ماضية في إجراءات الخروج، أمر شكلي ولا يكشف ما سيحصل فعلا في الأسابيع المقبلة، لأنها مجبرة على قول ذلك الآن، كي لا تثير القاعدة الشعبية التي صوتت لمغادرة الاتحاد الأوروبي.

ثمن الخروج المحتمل بدأ يكبر يوما بعد يوم، ومن أبرز عناوينه نهاية المملكة المتحدة، بانفصال اسكتلندا الحتمي وتزايد احتمال انفصال إيرلندا الشمالية وموت جيب جبل طارق، إذا تم عزله عن أسبانيا.

ويمتد الثمن الباهظ إلى ضربة قاضية لحي المال في لندن، الذي يساهم بجانب كبير من الناتج المحلي الإجمالي، وانهيار أسعار العقارات وركود جميع الأنشطة الاقتصادية، إضافة إلى تراجع أوسع بكثير للجنيه الاسترليني.

من سيجرؤ على جر بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي ودفع كل ذلك الثمن الباهظ؟ إنها أشبه بعملية انتحارية تنهي اتحاد دول المملكة المتحدة وتدمر اقتصادها، وتجر الاقتصاد الأوروبي والعالمي إلى أزمة خانقة.

من المفارقات أن حزب المحافظين اختار مؤيدة للبقاء في أوروبا لرئاسة الوزراء خلفا لديفيد كاميرون، ومن الواضح أن مهمتها ستقتصر على إحصاء الخسائر ومعرفة حجم الورطة والخيارات المتاحة للخروج منها.

وقبل أن تتسلم تريزا ماي رئاسة الوزراء بدأت السكاكين تشحذ لإزاحتها، وبدأت وسائل الإعلام تستعيد رفضها المتشدد لتولي غوردن براون رئاسة الوزراء بعد استقالة توني بلير قبل 8 أعوام، وتأكيدها حينها أنه لا يملك تفويضا انتخابيا، لتجد نفسها اليوم أمام ذات الكأس من السم.

الحديث عن إجراء استفتاء ثان، لا يزال خجولا لأن الجرح الغائر مازال مفتوحا، رغم تزايد أعضاء البرلمان والقضاة وزعامات الاقتصاد، المطالبين برمي نتائج الاستفتاء جانبا، لأنه غير دستوري، وإحالة الأمر للبرلمان ليقرر؛ أين تكمن مصلحة البلاد؟ علما أن أغلبية أعضائه الساحقة صوتوا بالفعل للبقاء في الاتحاد الأوروبي.

ويبدو أن بريطانيا ستزلق سريعا إلى الخيار المرجح، وهو إجراء انتخابات عامة جديدة، يصاحبها تحديد الخيارات المطروحة أمام بريطانيا في التعامل مع هذه الورطة، خاصة أن الاستفتاء تم استنادا إلى معلومات مغلوطة وعواطف قومية ملتهبة ولم يستند إلى خيارات واضحة المعالم.

وقد أشعل حزب الديمقراطيين الأحرار، السباق نحو الانتخابات المبكرة بإعلانه أنه سيخوض الحملة تحت شعار إعادة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي أو منع خروجها إذا لم تكن قد قدمت طلب الانسحاب.

إذا حدثت الانتخابات فمن المرجح أن تكون تصويتا غير مباشر على البقاء أو الانسحاب، وستجبر الأحزاب على اتخاذ موقف واضح من ذلك، أي أن الانتخابات العامة ستكون استفتاء غير مباشر.

البقاء أو الانسحاب من أوروبا سيكون عنوانا أكبر بكثير من انتخاب نواب البرلمان، وسيؤدي إلى انقلابات كبيرة في تصويت الناخبين، فالمؤيدون المتحمسون للبقاء في أوروبا سيصوتون للحزب الذي يحقق لهم ذلك مهما كانت ولاءاتهم السابقة.

والعكس صحيح أيضا، بالنسبة لمؤيدي الخروج، مثل مؤيدي حزب العمال، الذين قد يصوتون للحزب الذي يعد بالخروج، حتى لو كان حزب الاستقلال أو حزب المحافظين، ما يرجح حدوث انقلاب كبير في خارطة مؤيدي الأحزاب السياسية ومقاعد البرلمان البريطاني.

كاتب عراقي

11