من يجلس فوق مقعدين يسقط بينهما

الثلاثاء 2017/11/07

يحرص أغلب الناس بشكل يومي على الاستماع إلى البرامج الإذاعية التي تتحدث عن الأبراج، ولا يفوتون قراءة الحظ بالصحف المحلية والعالمية، هناك من ينكر بشدة ذلك لكنه لا يصم أذنيه عن سماع صديق يقرأ عليه طواعية ما قيل حوله جدّه، ولا يمانع الإصغاء إلى أحاديث جانبية تأتي من هنا أو هناك يدعي أصحابها علما بأحوال المستقبل ودوائره الفلكية.

ولم تفوت منصات التواصل الاجتماعي عن نفسها فرصة الاستثمار في هذه النقطة الحساسة وركبتها مطية لجذب المزيد من المستخدمين بمختلف الشرائح، حيث شرعت لهم الأبواب للولوج من آلتها الزمنية الافتراضية إلى شريط ممتد عبر كل الاتجاهات، ماض وحاضر ومستقبل، واستقرأت أحيانا أسباب موتهم وصورت حياتهم بعد البعث.

وقال موقع فرانس انتير، مؤخرا، "قريبا سيصبح عدد الموتى أكثر من عدد الأحياء على فيسبوك"، جاء هذا في إطار البحث عن مصير الحسابات بعد موت أصحابها، لكن هذا لا ينفي عنه محاولة التوغل في عالم ما وراء الطبيعة.

وما جعلني أكتب حول الموضوع ما لاحظته من نتائج، فعند الضغط على زر معرفة ما يخبئه لك 2018 أو تاريخ ميلادك أو ما تقوله لك قارئة الفنجان، يفاجأ المواطن الصالح ذكرا أو أنثى أنه إرهابي بالفطرة.

ولا يخفى على أحد أن هذه القراءات المستقبلية لحياة مستخدمي موقع فيسبوك تستند على بياناتهم الشخصية، وعلى طبيعة منشوراتهم وعلى صورهم وتحدد علاقاتهم بالأصدقاء عبر مدى تفاعل هؤلاء الأصدقاء مع ما ينشرونه من خلال اللايكات والتعليقات والمشاركة.

لكن هل يوجد مبرر أن يقرر الكمبيوتر بعد جمع كل ما أسلفت ذكره أن صاحب الحساب سيصبح تاجر مخدرات من كبار رؤساء الجماعات الإرهابية المسيطرة بالفطرة على عقول خاصته، ويصرف هذا الحاسب الآلي في وضع قائمة من الموعودين بصحبة هذا التعيس في حياته المستقبلية المطلوب فيها عدليا، وتنتهي اللعبة بموته رميا بالرصاص خلال مطاردة بوليسية أرهق خلالها سيارات الشرطة القديمة وشق أنفس الشرطي البدين الذي أعيته الحيلة مع كرشه المكورة.

قد يبدو الأمر مضحكا ويلقى سيلا من التعليقات الطريفة المباركة لهذا الحدث السعيد بوصف تجارة المخدرات تدرّ أرباحا طائلة ترفع أصحابها إلى مصاف الخاصة، لكن هل إلى هذا الحد صارت المجتمعات العربية تواجه مشكلاتها العويصة بالتندر؟ لا تقبلها واقعا وتباركها افتراضيا.

أرى أن النتائج لا تستمد شرعيتها من البيانات الشخصية بقدر ما هي تنهل من الوقائع التي يعايشها أغلب الشباب اليوم، إذ أصبحت حياتهم في خطر جرّاء انتشار تعاطي المخدرات في صفوف الناشئة والتغرير بهم داخل المعاهد وحيث ما يلون وجوههم، بالإضافة إلى الأيادي الإرهابية الغادرة التي تضرب في كل اتجاه وتحصد أرواح الأبرياء بصرف النظر عن دياناتهم وانتماءاتهم.

كل هذا طبع حياة الناس من مختلف الملل والنحل واقعا وافتراضا بطابع بريدي أحمر قان يميز عصرا كانت الجماعات الإرهابية اليد العليا فيه.

ولكن من قرر ذلك؟ من قال الكلمة الفصل وطبع هذا العصر بلون الدم وألبس أهله لباس الموت والحداد؟ عقل حاسب آلي مبرمج بحسب خطط ممنهجة تسير بالعالم المختل وفق أهواء إرهابية من نوع أشد فتكا على العوائل من صوت قذيفة أو حوافر حصان هارب من الأزمان الغابرة.

هذا هو المعنى الحقيقي للمثل التونسي القائل "تعدى على واد هرهار وما تتعداش على واد ساكت"، أي (مرّ على واد هائج ولا تمرّ على واد ساكن)، لأن الهائج أعلن عن نفسه وواضح للعيان ويمكن إيجاد حلول للتعامل معه أو تجنّبه، لكن الساكن يمكن أن يبتلع من يحاول المرور منه فجأة ودون إنذار مسبق.

الواقع بكل مستجداته من أخلاقيات وسلوكيات يحاول أولياء الأمور والمربون التعامل معه حتى يصلوا بالناشئة إلى بر الأمان، بينما العالم الافتراضي فإنه بئر عميقة لا قرار لها، لا فاصل فيها بين الجد والهزل، بل لعلها على قول الممثل الكوميدي الإنكليزي شارلي شابلن "يبدأ الجد حين ينتهي الهزل".

علينا اليوم التسلح بالمزيد والمزيد من الوعي بما يدور من حولنا حتى لا نقع في الشراك، وكما تقول حكمة إيرانية "من يجلس فوق مقعدين يسقط بينهما".

كاتبة من تونس

21