من يجمع الغبار في ليبيا

السبت 2014/07/19

ليبيا اليوم هي ليست ليبيا العقيد القذافي. لا لأنها لم تعد جماهيرية عظمى، بل لأنها لم تعد دولة، يمكن النظر إليها بثقة. هل أخذ الأخ العقيد معه كل شيء وغاب؟ ليته فعل.

ولكن هل كان هناك شيء يأخذه معه. كان الخواء الليبي واحدا من دلائل العبقرية التي تميز بها القذافي عن سواه من الليبيين الذين قُدر لهم أن يستيقظوا على صحراء قاحلة بعد أكثر من أربعين سنة من المسيرات الخضراء.

كان “أخضر” القذافي مثل “أسود” داعش لا يشير إلا إلى خواء سياسي وثقافي واجتماعي، سيكون على الجميع أن يتخبطوا كالعميان في متاهته.

فهل ورثت ليبيا شيئا كانت تملكه في ظل حكم القذافي لتفقده في غيابه؟ وإذا ما كانت ضربات الناتو قد أسقطت نظام العقيد وقد قيل يومها أن تلك الضربات هي الخيار الوحيد لإنقاذ الشعب الليبي من الإبادة الجماعية التي كان النظام ينوي القيام بها، فهل نجا الشعب الليبي حقا؟

كان الصراع بين القوى الغربية الكبرى وجماهيرية القذافي الورقية مبيّتا. وحين سعى القذافي إلى استرضاء الغرب، فقد كان رضا الغرب ينطوي على الكثير من الابتزاز. وهو ما أشعر الأخ العقيد بالاطمئنان والرضا عن النفس، وعاد ليتفرغ لمشروع جنونه ملكا على ملوك أفارقة لم يعد لهم وجود.

هل كانت ليبيا تمثل بالنسبة للغرب عقدة ينبغي أن تُحل؟ كانت اللعبة، طويلة الأمد تتطلب مناورة من ذلك النوع، بحيث يشعر الزعيم الليبي بتفوقه، مغضوبا عليه، أو مرضيا عنه على حد سواء.

كان الابتزاز الغربي بدءا من قضية لوكربي قد أوهم القذافي أنه يستطيع إنقاذ نظامه عن طريق ما يقدمه من رشى مالية في كل مرة تزداد فيها الضغوط عليه. ومن الغريب أن رجلا قادما من المؤسسة العسكرية كان قد محا تلك المؤسسة، قبل أن يمحو كل مؤسسات المجتمع المدني.

كانت ليبيا التي قصفتها طائرات الناتو خاوية على عروشها، كما أرادها القذافي تماما. فالأجهزة المخابراتية والأمنية التي جهزها القذافي لقمع الشعب والتخطيط للدسائس والمكائد والمؤامرات داخل العالم العربي وخارجه، لم تكن لتقوى على مقاومة الغزو العالمي الذي صار يسحق الكتائب التي صنع منها القذافي جيشا بديلا. وهو ما كان خبراء الناتو العسكريون يعرفونه تماما. فليبيا كانت بلدا مكشوفا بعد إذعان القذافي لشروط الغرب في صفقة لوكربي.

الآن وبعد أكثر من سنتين من رحيل القذافي، تبدو ليبيا مغلفة بطبقة من الغبار، هي الجزء الذي يخفي ما انتهى إليه بلد تواطأ حكامه ومنقذوه على أن يتركوه في مواجهة خوائه السياسي والثقافي والاجتماعي.

لقد عجز الليبيون عن تأليف حكومة وطنية، يكون في إمكانها أن تسيّر شؤونهم اليومية وتنتقل بهم من حالة الحرب إلى حالة السلام الأهلي، الذي لم يكن في إمكان القبائل أن تستوعب الحاجة إليه في ظل ثقافة قمعية انفرد القذافي في ابتكار مفرداتها المستلهمة بسخرية من ثقافة عصور الاستبداد.

فشل الليبيين في إدارة شؤونهم كان متوقعا بالنسبة للقوى العالمية التي أسقطت نظام القذافي. فلماذا أحجمت تلك القوى عن مد يد العون لليبيين في الوقت المناسب، مفضلة أن ينحدر البلد إلى هاوية، سيكون الخروج منها فعلا مستحيلا؟

غير مرة استغاث الليبيون بالمجتمع الدولي من غير أن يجدوا آذانا صاغية. وها هو نداء الليبيين الأخير: “احتلونا من أجل أن ننعم بالسلام”. أهذا هو الثمن الذي يجب أن تدفعه ليبيا في مقابل تخلصها من نظام القذافي، الذي لم يكن يرى في الشعب الذي يحكمه إلا مجموعة من الجرذان؟

إن ليبيا اليوم هي بلد ضائع يبحث عمن يهبه هوية، يستعيد من خلالها إنسانية صارت هدفا مشتركا لكل الجماعات المسلحة التي نظمتها وموّلتها القوى التي أدارت الحرب، وتركتها تعيث في الأرض فسادا.


كاتب عراقي

8