من يحب الحياة يذهب إلى كان

الجمعة 2014/09/05

قبل أن تصل إلى شارع لاكروازيت بكان، ترى على يمينك الميناء، وأي ميناء، وعلى شمالك المطاعم، أرقى المطاعم.يخوت الميناء السياحي بكان، بواخر في شكل يخوت، رفاهية مفجعة، وجمال مربك..

وبين وقوف وتوقّف للتزودّ بما تحتاج إليه رحلة بحريّة لا يعلم وجهتها إلاّ اثنان: صاحب اليخت والربّان، تتفاجأ بعدد الجميلات الجالسات على أريكة أحد اليخوت الفارهة، يخت يستقلّه رجل أسمر محاط بلحم أبيض غضّ في مرسى البحر الأبيض المتوسط.

لا أحد ينظر إلى أحد، ولا أحد يهتمّ بأحد، إلاّ أنا وعينايا اللتان أصابهما الوجع من كثرة التحديق في أكثر من أمر: حجم السفينة، عدد الحسناوات، والرجل الوحيد بينهنّ!!

بعد مرض عينيّ المستدام بمدينة كان، تلمـح على شمالك المطاعم، أفخر المطاعم، بطاولاتها، وكؤوسها، وجلاّسها، وخاصة جالساتها..

ومرة ثانية، وثالثة، وألف.. تتوه عيناك في تعقّب حركات وهندام الحسان، اللاّتي يبدو أنّهنّ لا يعرفن النوم بكان الكون.

مرة أخيرة، وقبل أن تصل إلى قاعة العروض الكبرى التي جُبلت على تنظيم الافتتاح الكبير للمهرجان كلّ عام منذ عام 1946.

تُطالعك محطّة الحافلات، وكم كلمة حافلات حمّالة لأكثر من معنى، فهي حافلة بكلّ ألوان الزينة، وهي حفلة سينمائية دائمة.. فقبالتها تماما، تفاجئك جداريّة عملاقة، حملت برسم زيتيّ محترف أهمّ عناوين الأفلام الكبرى التي تركت بصمة في تاريخ السينما العالمية.

نقوش لمشهد معيّن ومعلوم لفيلم “تايتانيك”، وآخر لأحد أفلام شارلي شابلن المضحكة المُبكية، وثالث لمنتج من إنتاجات هيتشكوك الشهيرة، ورابع وخامس وأكثر من رمز وذكرى مذكّرة لكلّ مار.. إنّك في كان السعفة الذهبية التي ألهمت الفنانين والمنتجين والمخرجين روح المبادرة، فأهدوا المشاهدين أفضل ما لديهم.

وأخيرا وصلنا إلى القاعة الكبرى، التي لم تتخلّ عن سجّادها الأحمر، فهو موطئ قدم ومركز جذب سياحي على مدار العام.

كلّهم يلتقطون الصّور، وهم يتمشّون الهوينا أو جالسون على مدرجه، أو واقفون قبالة القاعة الكبرى المغلقة.

جميعهم هنا يتحوّلون إلى نجوم في غياب النجوم الحقيقية.. وللواحد منهم، أو بعضهم إذا عاد إلى الديار أن يقول مزهوّا لصحبه: “لقد تمشّيت على السجّاد، بل وتمرّغت عليه، فشاهدوني في الافتتاح القادم”!؟

ومن يحبّ الحياة يذهب إلى السينما، أو بعبارة أدق من يحبّ الحياة يذهب إلى كان، فكان هي الحياة، أصلا.

16