من يحكم ديوان الحاكم

الأحد 2014/04/20

عندما كنّا صغارا سمعنا الكثير عن البطولات في دواوين الحكام في الخليج، فقد كان الناس في منطقة الخليج ينظرون إلى دواوين الحكام على أنها جهات لاسترجاع حقوقهم بل والحصول على ما ينقصهم. ديوان الحاكم كان ديوانا للمظالم، كان الناس يعتبرونه صرحا من صروح العدالة يحصل فيه المظلوم على الإنصاف خاصة من الجهات الحكومية والإدارية التي تلحق الضرر به أو بعمله، فمن خلال دواوين الحكام تُسترد الحقوق وتُرد المظالم لأهلها. كان ذلك في الماضي في السبعينات وربما قبل ذلك. وعلى الرغم من تلك المزايا التي يحصل عليها المواطن الخليجي كانت هناك ممارسات تتم بين البطانة والحاشية التي كانت تحاول أن تؤمن مصالحها ومصالح أبناء قبيلتها، ولكن كان هناك دائما صاحب القرار لهم بالمرصاد فلم تكن جرأتهم تتجاوز حدود قبيلتهم مثلا. ومع مرور الزمن وتقدم دول الخليج وتطورها في مجال الاقتصاد والسياحة والمال والأعمال أصبح أصحاب القرار خصوصا من الشيوخ والأمراء تحت ضغوط مسؤوليات أكبر ما جعلهم يختارون من يرونه مناسبا للنظر في المظالم والشكاوى البسيطة والتي لا تحتاج إلى تدخل صاحب القرار، وهذا أمر طبيعي تلجأ إليه حتى الدول المتقدمة.

لكن المتابع لأخبار الدواوين في هذه الأيام وربما المتعامل معها عن قرب يرى ويقابل العجب، فمن غرائب ما يمكن أن تجده في دواوين الحكام في الخليج أن لا تتميز فقط بمبانيها التراثية العتيقة، فالعاملون فيها يبدون لك وكأنهم من القرون الماضية. فهناك من لايزال يعمل فيها منذ أكثر من عشرين عاما والاختلاف البسيط هو أنه ارتقى من موظف يقدم القهوة إلى مدير مكتب صاحب القرار، وهو يكون في الغالب شخصا أميا لا يقرأ ولا يكتب بل بلغ من العمر أنه ينسى أنك قابلته قبل يومين لتقدم له شكوى ضد جهة معينة.

وحتى الشباب من الذين يعملون في مثل هذه الدواوين يبدون لك وكأنهم يقضون وقتا مع أصدقائهم أمامهم دلة الشاي ودلة القهوة وصحن من أفخر أنواع التمر. وعندما تدخل عليهم وتسأل عن مكان صحاب القرار أو مدير مكتبه، تبدو على وجوههم علامات الاستغراب والجواب في الغالب إما أنه لا يعلم أو أن يدلك إلى أي مكان فقط لتذهب وتتركه يكمل صبحيته مع “الشلة”.

تلك أمور ربما تبدو بسيطة وعادية ويمكن تجاوزها بالتدريب والتوجيه، لكن المشكلة تكمن في تجاوز بعضهم لحدود مهامهم مستغلين فيها مناصبهم لدرجة أنك تحسبهم يحكمون ديوان الحاكم، فعلى سبيل المثال لا الحصر، تواجهك مشكلة مع إحدى الهيئات أو المؤسسات الحكومية تعلم أنك على حق، تواجة الإدارة المسؤولة عن الخطأ ويتم تجاهل رسائلك حتى تضطر إلى مخاطبة مدير تلك الهيئة والذي بدوره يتهرب من لقائك أو الرد عليك ويعيد الشكوى للإدارة المسؤولة وتكون النتيجة إصرار الإدارة على أن موقفهم هو الصحيح على الرغم من وجود ما يؤكد أنهم على خطأ، وتتكرر المسألة معهم ثلاث مرات ولا تتوصل إلى حل حتى ينصحك الناس بديوان المظالم، تتقدم بالشكوى ويعدك مدير مكتب صاحب القرار أنه سيسلمه له شخصيا، حتى تكتشف بعد اتصالات ومراجعات تمتد أحيانا لسبعة أشهر لتعلم بطريقة أو بأخرى أن مدير مكتب صاحب القرار لم يُقدم الشكوى لمن يهمه الأمر فقط لأن مدير الهيئة يكون من أحد رفاق “الشلة” فكيف يقف ضده ويورطه وهناك مصالح عملية وربما شخصية مشتركة بينهما، وتضيع بذلك حقوق الناس. رغم علمك علما يقينا أن صاحب القرار الذي قدمت له الشكوى يشهد الناس بنزاهته وعدالته لكن لا ذنب له هنا غير أنه وثق بالأشخاص الخطأ وسلمهم زمام أمور ومسؤوليات أكبر منهم ومن مستواهم العقلي وأحيانا الأخلاقي. صحيح أن غالبية من كان يعمل في دواوين الحكام في فترة السبعينات كانوا أميين لكنهم لم يكونوا جهلاء أما اليوم فهناك من يعمل فيها من الأميين والمتعلمين من الجهلاء، وأحيانا تجد فيها من يحمل شهادات عليا وُظف فيها ليس لكفاءته وعلمه بل لأنه ربما يكون ابن مدير مكتب صاحب القرار الذي يعلم علم اليقين أن ابنه يحمل نفس جيناته في القدرات العقلية والأخلاقية ناهيك عن وسيلة الحصول على الشهادة في مثل هذه الحالات!

هناك بعض دواوين الحكام في دول الخليج مثل المملكة العربية السعودية وتسمى بديوان المظالم لها هيكلها التنظيمي الواضح منها القضائي والإداري ومهام كل منها مكتوبة ومعروفة للعيان بغض النظر عن بعض القصور الذي لا يخلو في أية جهة لكنه ديوان واضح للجميع. وربما ديوان ولي العهد في أبوظبي من أكثر الدواوين والجهات وضوحا وفاعلية وتصريحا خاصة في الخدمات التي تُقدم للمواطنين من مظالم ردت لأهلها وخدمات تقدم بأسرع وقت.

أما الدواوين الأخرى أصبحت شكلية ربما تقدم فيه خدمات مثل تذاكر سفر علاج، أو تذاكر سفر استجمام لبعض الأسر الغنية أو تقديم بدل أثاث لشخص متوسط الدخل ليؤثث منزله الجديد. وربما سبب وجودها هو توفير فرص عمل لأبناء فئة من المواطنين الذين لم يستطيعوا الحصول على شهادات تؤهلهم للعمل في أماكن تمثل تحديا لقدراتهم العقلية. مثل هذه الفئة تُساهم في التعقيدات الإدارية وبناء نظام البيروقراطية الذي عفا عليها الزمن.

ربما حان الوقت لينظر أصحاب القرار في مثل هذه الدواوين نظرة مختلفة تجاه من يعمل فيها خصوصا من أكمل عشرين عاما أو أكثر، من لم يستقل بعمل خاص به على الرغم من أن الكثير مثله من له تجارات وعقارات، أم أن الأمر يتعلق فقط بمنصب ومميزات يحصل عليها هو ومن يهمه أمرهم فقط.

ربما آن الأوان لنرى دماء جديدة من الكفاءات المواطنة في الخليج تعمل في دواوين الحكام حتى يتم التعامل مع مظالم الناس وشكاواهم بموضوعية وخلفية علمية حتى يحصل الناس على حقوقهم لا أن تضيع ونتساءل من يحكم ديوان الحاكم!

5