من يحكم مصر؟

في مجتمعات مستقرة بحكم القانون لا تخدش عينيك مصفحات الشرطة وسياراتها في الميادين، وتغني إشارات ضوئية لا تعرف إجراء انتقائيا عن وجود خشن لكبار مسؤولي الشرطة.
الثلاثاء 2018/12/04
مصر بعد 2011 مختلفة

فكرت في أن يكون العنوان “من يحكم الشارع المصري؟”، ثم رأيتُ ذلك تحايلا ومراوغة وانتقاصا من ذكاء القارئ. في الشارع يتبدد ربع أعمار المصريين انتظارا لوسيلة نقل ثم استقلالها إلى العمل والرجوع منه، وفي الشارع صور صادقة لهيبة الدولة أو إهدارها، وفي الشارع يتأكد لك أن تاريخ مصر دائري لا يتقدم إلا لكي يتراجع ويثبت، ليغيظ الحالمين بالتغيير. ولم يكن لبصيرة ابن بطوطة في القرن الرابع عشر الميلادي أن تغفل عن هذا الأمر الذي أوجزه في ثلاثية الحاكم والعسكر ومراكز القوى “يستبد العسكر، والشعب يئنّ تحت وطأة الحكم، ولا يهتم الأقوياء بذلك، والعجلة تدور”.

إذا حضرت العصا الغليظة في الشارع بطلَ دوْر القانون. في مجتمعات مستقرة بحكم القانون لا تخدش عينيك مصفحات الشرطة وسياراتها في الميادين وأمام بوابات الجامعات ومحطات المترو والنقابات، وتغني إشارات ضوئية لا تعرف إجراء انتقائيا انتقاميا عن وجود خشن لكبار مسؤولي الشرطة. ولا يستطيع المصريون إحصاء عدد من يتشاجرون طوال اليوم، ويعطلون حركة السير بعد تصادم سياراتهم، ولا تنتهي حالات السباب والاعتداء بالأيدي إلا بالاحتكام إلى أحكام عُرفية يتطوع بها شهود الحوادث. وربما تكون مصر من بقايا “أشباه دول” ينظم فيها لواء شرطة حركة السير، ويختلط الغبار بشتائم ضباط وأمناء الشرطة لسائقي سيارات الأجرة، ولا يدفعون ثمنا لاستخدام السيارات، في أسوأ تمثيلات للتسول وإهانة دولة يتناهبها أقوياء لم يعرفهم ابن بطوطة.

يحلو لأصدقاء عاشوا في لندن منذ أربعين عاما أن يتندّروا بحكايات إحداها عن ولي العهد الأمير تشارلز، حين تجاوز السرعة، وطالبه شرطي صغير بدفع غرامة مضاعفة؛ لأنه قدوة ولا يصح أن يخالف القانون، وذكّره بأن تكرار المخالفة سيؤدي إلى سحب الرخصة، وعدم السماح له بالقيادة في الشارع، والاكتفاء بذلك داخل أسوار القصر. حكى لي هذا الصديق عن حفل أقامه في بيته، وقبل انتهائه استأذنت صديقة شرطية لأن موعد ورديتها الليلية سيبدأ، وقد بدأت عملها بتوقيع مخالفات انتظار لسيارات أصدقائها في الحفل. وبدافع بقايا العشم المصري لامها الصديق في الصباح، فقالت بهدوء: كنت معكم صديقة، وحين غادرت بيتك صرت موظفة أنفذ القانون.

وبعد ثورة 25 يناير 2011 مسّنا طيف من هذه الروح، فتم تنظيف ميدان التحرير، وتجميل الأرصفة، واختفت البلطجة من الشوارع، فالبلطجي ضعيف يحتاج إلى مظلة شرطي، والشرطي خجل من ماضيه وتعامل مع الناس بالحسنى، وخلتْ المصالح الحكومية من الرشاوى. ثم قويت شوكة القوى الكارهة للثورة، واستأسدت مراكز قوى جديدة يسهل الاستدلال على أعضائها من سيارات ذات لوحات مزيدة بشارات عنصرية وظيفية، الشرطة والقضاء والنيابة مثلا، وبدلا من التزامهم بقانون يحكمون به أو ينفذون أحكامه، فإنهم يستقوون به، ويشهرون الامتياز الوظيفي في وجه المجتمع. ولي تجربة دالّة تكفي لنفض يدي من آمال الإصلاح، انتظارا لثورة غير منقوصة.

في شارع الهرم، لاحظت كيف يختال قائد سيارة تحمل لوحتها الأمامية بالمصادفة حرفيْ “ر ب”، ولا توجد أي أرقام بجوار الحرفين، ولو أصابت مواطنا وقتلته فلن يستدل أحد على هذا الطاووس. كنت في سيارة أجرة سبقت السيارة “ر ب”، وغادرتها متجها إلى ضابط شرطة في كمين ليلي متحرك. أبلغته بأمر السيارة التي تسير بلوحات مطموسة، وتحمس الضابط الشاب لإنفاذ القانون، وانتظر قدوم السيارة المخالفة، وبعد دقيقتين اثنتين وصلت السيارة “ر ب”. مضت الدقيقتان في تثاقل، وأنا أدعو الله ألا يراني أحد من أصدقائي الكثيرين المقيمين في الهرم، فيلمحني بجوار رجل شرطة، وهي شبهة بالطبع؛ لاقتران أي مدني يقف بينهم بسيئي السمعة ممن يحملون كود “المواطنين الشرفاء”. وقبل وصول السيارة، تهلل وجه الضابط فرحا لا يشبه نشوة الشرطي بقنص مواطن مخالف، وسمعته يقول “أهلا يا باشا، نوّرت الهرم”. وتلفتّ حولي لعل الضابط يكلم شبحا، وهو لا يبالي بي، وإنما مدّ رأسه من نافذة السيارة، وتبادل القبلات مع الطاووس الذي لم يغادر سيارته. خجلت ولم أملك في انشغالهما بحرارة القبلات إلا أن أدقق في اللوحة المطموسة “ر ب 5173”. وتوقف السير وراء الباشا بضع دقائق، ولم يجرؤ أحد على استعجال الضابط، ثم سألته بكلمة يأس واحدة “خلاص؟”، وجاء الرد “خلاص ايه؟ أعمل مخالفة لضابط في الجيش؟”.

لم أراهن على ذاكرتي، وليس معي قلم، لأنني عائد من القهوة، وخشيت أن أنسى بيانات السيارة، وكاميرا تليفوني العتيق لا تسعفني في هذه المهمة، ولا تستطيع تصوير بيانات لوحة “ر ب” المطموسة، فضلا عن خطورة فكرة التصوير في كمين ليلي. واستعرت قلما من كاشير في مطعم الشبراوي، وكتبت “ر ب 5173”، وفي الطريق إلى شارع العريش قابلني الضابط، فأخبرته بأنني سجلت بيانات لوحة سيارة ضابط الجيش، فأقسم أن رجال الشرطة مغلوبون على أمرهم مع حكام البلد، يقصد رجال الجيش.

مصر اليوم محكومة بأكثر من هؤلاء الذين يرتدون الزيّ المائز والبيريه، هناك شركاء آخرون يتقاسمون الثروة والنفوذ بأنصبة غير متساوية، ولا يوجد قانون يطرح سؤال “من أين لك هذا؟” على بلطجية صغار يحميهم كبار يتحكمون في الشارع المصري، ويبتلعون يوميا بضعة ملايين هي حق الدولة، لو تم تحصيل مبلغ رمزي لقاء انتظار السيارات في الشوارع.

في ضاحية هادئة بعيدا عن أمستردام، هبطنا عام 2006 من سيارة المستشرق الهولندي بيتر شورد فان كونينجسفيلد، كنت بصحبة طلاب عرب يشرف عليهم في الدكتوراه، وألقى الأستاذ مبلغا من المال في جهاز أمام بيته، لكي يتمكن من ترك سيارته بشكل رسمي. ومثل هذه الرسوم تفرض أيضا في بلاد عربية غير مثقلة بتاريخ من الأمجاد والضلالات وجنون العظمة، وفي مصر يسمح للأهالي بوضع متاريس حجرية ومعدنية أمام المحال والبنايات، وأما الميادين والشوارع فهي حصالة مالية تستقبل الإتاوات من أصحاب أكثر من سبعة ملايين سيارة خاصة يذعنون لجبروت بلطجية يحميهم كبار في الظل، ولا تُعنى حكومة الجباية باستعادة الشارع، دخلا وحماية وسيادة وهيبة للدولة، في استنساخ شائه لحكم المماليك، إنها “شبه الدولة” باعتراف رئيسها.

8