من يحمي أسود "كوبري قصر النيل" من الإهمال

لا يكاد يمر إنسان، مصريا كان أم أجنبيا، على الجسر الشهير في وسط القاهرة، المعروف بـ”كوبري قصر النيل”، الذي يربط ضفتي النهر، إلا وتستوقفه تلك الأسود الأربعة الرابضة على مدخل الجسر من ناحية دار الأوبرا، ومخرجه من جهة ميدان التحرير، لكن لا أحد يعلم ما تعانيه هذه الضراغم من التشويه.
الاثنين 2016/10/10
ضراغم تراقب الأحداث في صمت

القاهرة - لو كان النحّات الفرنسي ألفريد جاكمار يعرف ما سوف يحيق بتماثيله من إهمال وإجحاف وإهانات، ربما كان قد غيّر رأيه، ونحت فئرانا أو قططا بدلا من الليوث، لأن عمليات الترميم الخاطئة التي أجريت مؤخرا زادت الهموم وحركت الأوجاع.

الناظر إلى الأسود المنحوتة من البرونز، سيراها جالسة بشموخ، في رباطة جأش، تشع أعينها بقوة لا مثيل لها، في إشارة إلى حماية الجسر من كل شر قد يلحق به، لكن المتمعن بدقة سوف يقرأ في العيون ذكريات وصفحات مليئة بأحلام المصريين وأوجاعهم وملاحمهم التي سطّرها التاريخ.

وقد لا يعرف الكثيرون، منهم مصريون، أن تماثيل “أسود قصر النيل” الرابضة بوسط القاهرة على الجسر الذي يحمل نفس اسمها، صنعت في الأصل كي توضع على بوابتي حديقة حيوان الجيزة المتاخمة للقاهرة، لكن حين وصلت التماثيل الأربعة إلى القاهرة من فرنسا، كان الخديوي إسماعيل (حاكم مصر من يناير 1863 إلى يوليو 1879) قد تم خلعه وتولى ابنه الخديوي توفيق مكانه، وكانت تجرى في ذلك الوقت عملية تجميل كوبري الخديوي إسماعيل، كما كان يسمى وقتذاك.

عندما رأى الخديوي توفيق أن الجسر يحتاج إلى مظهر يليق بهيبة اسم والده، أمر بوضع أسدين على مدخله الغربي ومثلهما من الجهة المقابلة، ومنذ ذلك الوقت التصق اسم “أبوالسباع” بالخديوي إسماعيل، وأصبح “كُنية” ينادى بها كل من يحمل اسم إسماعيل في مصر، واستعيض عن التماثيل عند افتتاح حديقة الحيوان في العام 1891، بلوحات مجسمة عند المدخل تصور مختلف حيوانات الغابة (مازالت موجودة حتى الآن).

قيل في الأساطير الشعبية، التي اخترعها المصريون، إن الخديوي إسماعيل كان في إحدى جولاته الحربية في أفريقيا، فهجمت عليه أربعة أسود، لكنه استطاع وحده مواجهتها، ونجح في دفعها أرضا وقتلها جميعا، وهناك من اعتقد أن الأسود ترمز لأبنائه الأربعة وقتها.

والحقيقة المؤكدة من وثائق في المكتبة التركية أن الخديوي إسماعيل زار الأقصر، وشاهد وادي الكباش الذي تصطف تماثيل الأسود على جانبيه، فتمنى لو تنقل هذه الآثار إلى القاهرة، إلا أن خبراء آثار نصحوه بصنع أسود شبيهة مقلدة بدلا من نقل الآثار.

ملتقى ومبكى

حين اعتلت الأسود قواعدها الحجرية، ظنت أنها ستقبع عليها مستمتعة بخرير الماء في أسفل الجسر الذي تحرسه، ولم تدرك أنها سوف تتحول مع الأيام إلى ملجأ للفقراء يلتمسون بجوارها نسمة هواء رقيقة ونقية، كما لم يتوقع الخديوي أن يزاحمه العشاق في تسجيل ذكرياتهم بكتابة أسمائهم وأشعارهم على أجساد الأسود، وكأنها تمنحهم البركة وهم يخطون خطواتهم الأولى في دنيا العشق والهوى.

الأسود الأربعة تتساءل في صمت، كيف هانت شواربنا على النحات الفرنسي جاكمار حيث نحتنا فنسي وضع الشوارب

على الرغم من انتشار الكباري بالقاهرة، إلا أن كوبري قصر النيل، الذي يعتبر أول معبر بين ضفتي النيل، ويقترب عمره من القرن وربع القرن، ظل واحدا من الكباري التي يشتاق المارون عليه إلى العودة للسير فوقه مرارا وتكرارا، لمشاهدة نهر النيل، وتناول ثمار “الذُرة” المشوية، وشرب المياه الغازية.

ذكريات كثيرة مضت، بدءا من تكليف الخديوي إسماعيل لناظر الداخلية شريف باشا في أبريل 1871 بمهمة الاتصال بالخواجة جاكمار، وتكليفه بنحت التماثيل الأربعة، مرورا بقصص مملوءة بالعشق، والدم، والحرية، وانتهاء بنظامي حكم سقطا عند أقدامها، ومثلما كانت الأسود ملتقى للعاشقين، فهي أيضا مبكى وناصية للقاء الموت، حيث شهدت لحظات بكاء وانتحار، فكانت شاهدة خرساء على جنون المحبين الذين قفزوا من أعلى الجسر حسرة على الفراق.

ربما لو قدر للأسود أن تنطق، لسردت لنا قصص من تعثروا في طموحهم، فاختاروا أن ينهوا حياتهم غرقا في البقعة الأكثر ارتيادا بالقاهرة، وأبرز تلك القصص ما كان من الشاب المتفوق عبدالحميد شِتا (البالغ من العمر 25 عاما)، الذي تم رفضه كملحق بوزارة الخارجية المصرية، بسبب انتمائه إلى أسرة فلاح فقير، ومن ثم فهو غير لائق اجتماعيا، (مبنى وزارة الخارجية القديم على بعد خطوات من الأسود الأربعة).

ولن تنسى الأسود البرونزية الأربعة ذلك اليوم المهيب، الذي رأت فيه دموع المصريين تنهمر كالسيل، قبل أكثر من أربعة عقود، وتحديدا يوم 28 سبتمبر 1970، حين مرّ تحت أقدامها ملايين المنتحبين من القلب، على رحيل الزعيم جمال عبدالناصر، في رحلة استغرقت على الجسر أكثر من 20 دقيقة.

ثورات وانتفاضات

رأى أشرف عفيفي الباحث والناشط السياسي، أن هناك مشهدين، هما الأكثر حضورا في ذاكرة المصريين عن الأسود الأربعة، الأول رائحة الدماء التي سالت تحت أقدامها في أثناء أحداث ثورة 25 يناير 2011، بعد أن قُتل مَن قُتل من الشباب، دهسا أو رميا بالرصاص.

وأضاف لـ“العرب” أن المشهد الثاني، كان مشبعا بنسائم الحرية في 30 يونيو 2013، حيث كانت أسود قصر النيل شاهدة على إنهاء سيطرة جماعة الإخوان المسلمين على الحكم، عندما خرج الملايين من المواطنين رافضين حكم الإخوان، ورئيسهم محمد مرسي الذي جرى عزله.

وأكد باحثون في التاريخ الحديث أن ما رأته الأسود يومها كان تكرارا لمشاهد أخرى مرت أمامها وصكّت آذانها، والطريف أن أول الأصوات كانت أنثوية، عندما تعالت من أول مظاهرة نسائية في مصر في العام 1919 بقيادة صفية زغلول، بعد أن اعتقل الإنكليز زوجها سعد باشا زغلول وأفراد الوفد المصري المرافق له، والذين ذهبوا إلى لندن، للمطالبة باستقلال مصر عن التاج البريطاني، وتم نفيهم إلى جزيرة مالطة.

أسود شاهدة على أحداث هزت الشارع المصري

شهدت أسود قصر النيل أيضا مظاهرات الطلبة الشهيرة في العام 1935، التي طالبت بالعودة إلى دستور 1923، الذي كان قد ألغاه إسماعيل صدقي باشا رئيس الوزراء في العام 1930.. ثم أعيد العمل به تحت ضغط المظاهرات في العام 1935، وكانت المظاهرات خرجت من جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليا) وعبرت كوبري الإنكليز (الجلاء حاليا)، ثم كوبري قصر النيل، متجهة إلى ضريح سعد زغلول، المتفرع من شارع قصر العيني بوسط القاهرة، إلا أن قوات البوليس والجيش تصدت لها في نهاية الكوبري، وأطلقت الأعيرة النارية تحت مرأى ومسمع الأسود الأربعة، فسقط العديد من الطلبة صرعى وجرحى.

وقال باحثون إن الحشد الأكبر الذي مر أمام الأسود كان لثورة يوليو 1952، عقب إلغاء معاهدة الصداقة المصرية البريطانية المعروفة باسم معاهدة 1936، حيث توحدت القوى الوطنية وأعلنت عودة الكفاح المسلح ضد الوجود البريطاني في منطقة قناة السويس، وطالبت الشعب بالتظاهر، فكانت الاستجابة بشكل فاق كل توقع، وشاركت كل طوائف المجتمع، من طلبة وعمال ومشايخ وقضاة وأساتذة جامعيين، بل وحتى الأطفال، فقارب عدد المتظاهرين المليون ونصف المليون.

ثم كانت المظاهرات الضخمة، عقب تنحي الرئيس الراحل جمال عبدالناصر يوم 9 يونيو 1967، للمطالبة بعودته، وتكرر الخروج من كوبري قصر النيل إلى ميدان التحرير في بداية الألفية الثالثة احتجاجا على الغزو الأميركي للعراق.

أسود بلا شوارب

لسان حال الأسود الأربعة تساءل لعقود، كيف هانت شواربنا على النحات الفرنسي جاكمار حيث نحتنا فنسي وضع الشوارب؟ وهل هناك أسود في الدنيا بلا شوارب؟

قال البعض إن نسيان الشوارب كان السبب في تخلّص النحات من حياته عقابا لنفسه على ذلك.

ومع ذلك أكد أحمد الصاوي (باحث أثري) أن جاكمار لم يكن الوحيد الذي أخطأ، حيث أصبحت حياة الأسود في أثناء حكم الإخوان المسلمين لمصر وحياة غيرها من التماثيل القديمة والحديثة، في خطر بعد أن أعلن الإخوان والسلفيون أن كل التماثيل أصنام يجب تحطيمها، وطالب البعض بتغطيتها.

لم تكن تلك الواقعة الأولى من نوعها، إذ سبقتها أحداث مماثلة خلال الحركة العرابية (التي سبقت الاحتلال الإنكليزي لمصر)، حيث أراد أحمد عرابي أن يهدم بعض التماثيل التي أقامها الخديوي إسماعيل، وبالأخص أسود قصر النيل، لإظهار ازدرائه وانفصاله عن السلطة الخديوية، وأصدر الإمام محمد المهدي العباسي فتوى وقتها قالت إن “إقامة هذه الصور والتماثيل مكروهة كراهة تحريمية”.

احترام الحرم الأثري شبه مفقود

احتاطت السلطات لذلك، فقامت بنقل هذه التماثيل من أماكنها العامة، ووضعتها في أماكن آمنة، وتم الاحتفاظ بالأسود الأربعة في حديقة المتحف المصري، وظلت رابضة هناك إلى أن تم قمع العرابيين، واستقر الأمر للإنكليز في مصر وأعيدت إلى أماكنها.

لا شك في أن ألفريد جاكمار يتألم الآن، ففي الوقت الذي لم تنل من التماثيل دعوات التحريم، عانت تحطيما من نوع آخر، بقصد أو دون قصد، حيث حوّلها المتسكعون إلى مجلة حائط ، لتدوين أسمائهم وكنياتهم، أو للتنويه عن مفقودين.

ومارس عدد من الأشخاص حيلا كثيرة وطريفة لحمايتها، كان أطرفها القول إنها “مؤمِنة وتصلي”، وانتشر مؤخرا على “اليوتيوب” مقطع فيديو لقصة رواها سائق تاكسي لزبون معه في السيارة، وزعم أنه رأى بنفسه أسود كوبري قصر النيل تنزل إلى نهر النيل، قبل آذان الفجر بثلاث دقائق، لتتوضأ وتصلي كل يوم، الأمر الذي أثار استهجان الكثيرين بسبب هذه الخرافة.

ثم كانت الأزمة الأكبر التي مرت بها الأسود في الترميم الخاطئ الذي قامت به محافظة القاهرة، كما قالت لـ”العرب” نورهان محمد (فنانة تشكيلية)، فالأسود مصنوعة من البرونز، وتراكمت عليها طبقة شديدة السواد، وحدثت بأجسامها نتوءات جراء عوامل التلوث والأتربة وطبقات الدهان، وهو ما تطلب استخدام مواد كيميائية خاصة لإزالتها.

لم تستعن المحافظة بأي نحات لتنظيف الأسود، وإعادة لونها الأصلي، ما ترتب عليه وجود طبقة لون على التماثيل مختلفة عن لونها الأصلي نتيجة التنظيف الخاطئ.

وطالب خبراء آثار ومتخصصون بإدراج تماثيل أسود كوبري قصر النيل ضمن الآثار الحديثة المسجلة، وبالفعل تمت الموافقة على ذلك منذ أسابيع، وجرى ترميمها تحت إشراف وزارة الآثار لإزالة مخلفات التعديات عليها، وزيادة تقويتها بمادة “الباكينة” لحمايتها من العوامل الخارجية، كتقلبات الجو والكتابة عليها، بالإضافة إلى عمل طبقة واقية من الغرانيت لمنع تأثير الكتابة على قواعد التماثيل.

وأكد محمد السيد، مهندس بإدارة جمعية الطرق العربية، أنه تمت الاستعانة ببعض أخصائي الترميم والأجهزة الموجودة بالمتحف المصري الكبير، لإزالة التشوهات اللونية والكتابات السوداء والـ”لاكيهات”، والتي استخدمت في فترات سابقة لإخفاء بعض الكتابات والرموز والرسوم المشوهة.

وأوضح لـ”العرب” أنه تمت معالجة التماثيل كيميائيا وميكانيكيا، وقام مرممو الآثار بتنظيف أسطح الأبراج والقواعد الغرانيتية للأسود الأربعة بالبخار، وتم استخدام المذيبات العضوية الآمنة، لإزالة ما كان قد تبقى من تشوهات لونية وتكلسات مشوهة.

وتبقى المشكلة الحقيقية، أنه بالرغم من فرض العقوبات والغرامات فور الانتهاء من عملية الترميم (التي تكلفت ما يقرب من المليون دولار)، عاد المارة ليمارسوا هوايتهم في التشويه، وإذا لم يستطيعوا الكتابة عليها، فإنهم يتسابقون ليلا لتسلقها كي يأخذوا لأنفسهم صور “سيلفي” وهم على أكتافها، ضاربين عرض الحائط باحترام الحرم الأثري، وغير عابئين بنصائح الآخرين، متحججين بأنها مجرد “حجر لا يشعر بالبشر”.

20