من يحمي العراقيين

الثلاثاء 2014/09/02

حين قتلت ميليشيا عصائب أهل الحق الشيعية سبعين عراقيا أثناء أدائهم الصلاة في أحد مساجد محافظة ديالى ذات الغالبية السنية، لم يتكدر مزاج السياسيين في ذلك البلد المنكوب بهم. كان هناك ما يشغلهم عن الاهتمام بمصائر العراقيين.

كان الحرص على العملية السياسية قد دفع البعض منهم إلى التصريح بأن تلك «المجزرة» لم تكن تهدف إلا إلى إفشال العملية السياسية. لذلك فضّل ذلك «البعض» ألا يسمح بتعطيل تلك العملية التي كانت سببا مباشرا لما تعرض ويتعرض له العراقيون من انتهاكات غالبا ما تصل إلى الإبادة الجماعية.

لقد سبق أن حدثت مجزرة في «الحويجة»، وهي بلـدة صغيرة خرج سكانها في اعتصام سلمـي، قـررت القوات الحكومية أن تفضّه عن طريـق استعمال السلاح، فسقط يومها خمسـون قتيلا من بين المعتصمين. كـان تفسير الحكومة لما حدث جاهزا. كـان القتلى إرهابيين. وطُـوي الملف.

لم يحرج أحد يومها الحكومة. لقد انضمّ القتلى إلى سجل الموت العراقي المفتوح وانتهى الأمر. فهل سيقال عن المصلين في ديالى أنهم أيضا كانوا إرهابيين؟

القتلة معروفون هذه المرة. وهم ينتمون إلى جماعة طائفية تدين بالولاء لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي. وهي جماعة مسلحة متخصصة بإنزال القصاص بكل مَن تدينه بتهمة مناوئة سياسات المالكي الطائفية.

في الساعات الأولى التي افتضح فيها أمر الجريمة شعرت الحكومة بالحرج فوعدت بإجراء تحقيق في الموضوع. غير أن ما جرى على الأرض لا يدل على أن الحكومة كانت جادة في مسعاها.

لقد شهدت المحافظة التي كانت مسرحا للجريمة انتشارا غير مسبوق للعصابات المسلحة (حزب الله، عصائب أهل الحق، فيلق بدر) مسنودة بخبراء إيرانيين، وصارت تقيم حواجز مؤقتة لتخطف العابرين الذين لا يطلق سراحهم إلا بعد دفع الفدية أو يتم قتلهم.

فهل تتحدى الميليشيات الشيعية الحكومة بعد أن تم طرد المالكي منها، أم أنها تقـوم بالتنسيـق مع الحكـومة بالتغطية على الجريمة الأصلية من خلال فوضى تكون العودة إلى زمن الاختطاف عنوانها؟

الاحتمالان ممكنان، غير أن الثابت أن الحكومة الضعيفة أصلا لن تجرؤ على الدخول في صراع تعرف أنها ستخرج منه مهزومة.

ما حدث مع «داعش» وهو تنظيم حمل سياسيو بغداد سكان المناطق ذات الغالبية وزره، فلم يعترف أحد بأن الجيش العراقي الذي أنشأه الأميركيون كان من ورق، يمكن أن يتكرر شيعيا، فتنتصر الميليشيات الشيعية على الحكومة مثلما انتصر تنظيم «داعش» من قبل.

ولكن الأسوأ يكمن في أن تكون الحكومة متورطة في نشاط تلك الجماعات. في ظل الذعر الطائفي الذي أشاعته وسائل الإعلام التابعة للأحزاب الدينية الحاكمة، كان متوقعا أن تلجأ جماعات طائفية مسلحة إلى الانتقام من المواطنين العزل الذين صاروا من وجهة نظر تلك الجماعات جزءا من «داعش» رغم أنوفهم.

بالنسبة إلى تلك الجماعات صار قتل الداعشيين المفترضين بمثابة عمل بطولي. وهي محاولة للتغطية على الهزيمة، من خلال تحقيق انتصارات وهمية على بشر عزّل قُدر لهم أن يكونوا من أتباع المذهب السني.

شيء من «داعش» يظهر من خلال سلوك الميليشيات الشيعية. وهو ما يجعلني أشعر باليأس من عراق لا يقوى على مواجهة الجريمة إلا بجريمة تبزها في الدناءة والابتذال والنذالة.

وكما يبدو فإن الحكومة لن تكون بسبب منشئها الطائفي قادرة على حماية أرواح العراقيين، فهل سيصل الأمر بالعراقيين إلى طلب الحماية الدولية؟ هل صار علينا أن نترحم على أيام «بلاك ووتر» وأخواتها من شركات القتل؟

العراقيون اليوم يقتلون ويُختطفون ويُعتقلون ويُعذبون من قبل جماعات مسلحة تُعتبر خارجة على القانون، لو كان هناك قانون في البلد الذي سُنت فيه أولى القوانين في تاريخ البشرية.


كاتب عراقي

8