من يحمي نظام الفساد في لبنان من السقوط

الأربعاء 2015/09/02

حينما يصبح متعذرا على الغالبية الساحقة الاستمرار، يصبح الانفجار الاجتماعي أمرا واقعا لا يمكن وقفه أو تأجيله. فرغم المحاذير الكثيرة والخطيرة، ورغم ما تعرض له المعتصمون اللبنانيون من قمع خلال يومي 22 و23 أغسطس، ورغم التحذيرات والتهديدات التي تعرض لها كثيرون، وكذلك رغم محاولات التشويش على الحراك الاحتجاجي الذي انطلق وأخذ يتوسع، ورغم حملات التشويه التي طالت ناشطيه، ملأ عشرات الألوف شوارع بيروت وساحة الشهداء فيها لتؤكد على حقها في الحياة وفي إسقاط الشرعية عن القوى الغاصبة للسلطة، الكل يعني الكل.

لم يترك غاصبو السلطة شيئا للبنانيين. فقد تقاسموا مغانمها التي شملت البر والبحر، السهول والجبال، ما تحت الأرض وما فوقها، ثم، أغرقوا البلاد بالقمامة، وأفسدوا على الناس هواءهم الذي يتنفسون، بعد أن شلوا كل قطاعات الإنتاج، فسحقوا الزراعة وهجروا الصناعة وحولوا المواقع السياحية إلى مزابل، ونهشوا الجبال بكساراتهم ومقالعهم وشرعنوا الفساد الذي تغول ليأكل الإدارات والمراكز الصحية والتعليمية، ودمروا القطاعات الخدمية الأساسية.

ومنعوا عن الناس السياسة، وحقهم في اختيار ممثليهم وسلطاتهم، وقسموهم إلى طوائف ومذاهب ليحتكروا تمثيلها وليؤبدوا هذا التمثيل بدون أي مسوغ قانوني أو عرفي أو أخلاقي، ليصبح البلد كله في قبضتهم يتحاصصون كل ما فيه بما في ذلك أبناؤه و...النفايات.

نظام ائتلاف المافيات الغاصبة للسلطة، والناهبة للثروة، والمعطلة للحياة السياسية، والمدمرة للقطاعات الإنتاجية والخدمية، نراه بلا مؤسسات. فلا انتخابات رئاسية، ومجلس نوابه الممدد لنفسه ليس أكثر من مجلس عطالة متواصلة منذ أن انتخب وفقا لأسوأ قانون انتخابي حصل، ومجلسه الدستوري غائب عن الفعل وعن الوعي، وقضاؤه أداة بأيدي القابضين على البلد، وحكومته لزوم ما لا يلزم.

كيف يستمر هذا النظام؟ من يحميه من السقوط من الضربة الأولى من قبضة الشعب المنتفض؟ ولماذا إذن هذا التخوف من الانتفاض والانقضاض عليه رغم هشاشة ملامحه وتعفنه المزمن؟

يقال أنه التوازن الإقليمي. بحيث أن كل جهة سياسية محسوبة على طرف هيمنة إقليمي معين يحظى بدعمها سياسيا وماديا. وهذا يؤكد أنه لا ينتمي إلى مصالح الناس، وبالتالي فهو أجدر أن يثور الناس عليه وأن يسقطوه. ولكن مراكز الهيمنة الإقليمية لا تمتلك قوات مسلحة على الأرض في لبنان. وهي منشغلة في صراعات أكثر سخونة في مناطق وبلدان أكثر أهمية في المنطقة، من العراق إلى سوريا إلى اليمن… هذا الانشغال يفترض أن يفسح أكثر في المجال لمثل هكذا ثورة. فمن هي الجهة المحلية الأكثر قدرة على حماية نظام ائتلاف مافيوي مسيطر في لبنان من السقوط؟

لا تقولوا إنه الجيش، أو أجهزة القمع الرسمية. فهذا الجيش وهذه الأجهزة تتشكل في غالبيتها الساحقة من عناصر تنتمي إلى الفئات المنسحقة من المواطنين، وعناصرها بالكاد قادرة على الاستمرار، شأنها شأن غالبية الناس، معاناتها واحدة ونقمتها على النظام واحدة وليست على استعداد لمواجهة الحالة الشعبية إذا تطورت من أجل حماية من رفض بكل إصرار، إقرار سلسلة الرتب والرواتب للموظفين الذين يمثل هذه العناصر النسبة الأكبر منهم.

من يحمي هذا النظام من السقوط؟ ولماذا هذا التخوف من الانتفاض والانقضاض عليه رغم هشاشة ملامحه وتعفنه المزمن

بتاريخ 11 يونيو 2012، وبعد أن تحول الصراع في سوريا إلى صراع مسلح ردا على مجازر النظام الأسدي، وخوفا من أن تضرب نيران الصراع لبنان، انعقدت هيئة الحوار الوطني، الممثلة لقوى السلطة في لبنان، وبناء على دعوة الرئيس اللبناني ميشال سليمان في بعبدا وأصدرت وثيقة رسمية عرفت بإعلان بعبدا تضمنت، فيما تضمنت من بنود، “الحرص تالياً على ضبط الأوضاع على طول الحدود اللبنانيّة السوريّة وعدم السماح بإقامة منطقة عازلة في لبنان وباستعمال لبنان مقرّاً أو ممراً أو منطلقا لتهريب السلاح والمسلحين، ويبقى الحقّ في التضامن الإنساني والتعبير السياسي والإعلامي مكفول تحت سقف الدستور والقانون”. هذه الوثيقة التي وافق عليها الجميع بمن فيهم حزب الله، أرسلت إلى كل من الجامعة العربية ومنظمة الأمم المتحدة لتصبح وثيقة معتمدة لدى المنظمتيْن.

ولكن حزب الله خرق هذه الوثيقة وانخرط في حرب النظام الأسدي على شعبه وبكل قوة من خلال إرسال المقاتلين والسلاح والآليات عبر الحدود، خلافا لتلك الوثيقة ولكل القوانين والأنظمة المرعية الإجراء، وخلافا للدستور اللبناني الذي يعطي الحق لمجلس النواب دون سواه في عقد التحالفات والاتفاقيات الخارجية وفي إعلان الحرب والانخراط فيها. وقد جر ذلك على الشعبيْن اللبناني والسوري مآس لا تحتمل ولا توصف.

وبرغم إعلان القوى السلطوية الأخرى عن امتناعها عن التعاون مع حزب الله أو المشاركة في حكومة يكون له ممثلون فيها قبل أن ينسحب من سوريا ويلتزم تماما بإعلان بعبدا، رأينا تلك القوى تعود لتشاركه تشكيلة حكومة تمام سلام التي تشكلت في نهاية عهد الرئيس سليمان لتتولى مهام الرئاسة بسبب الشغور الذي فرضه حزب الله في هذا المنصب. هذه الحكومة التي تمارس العطالة لتترك لحزب الله المساحة التي يريد لتنفيذ المشروع التوسعي الإيراني في سوريا والعراق ولبنان، ولتترك المتسع لمافيات النهب والفساد لمراكمة الثروات على حساب المواطنين الذين باتوا عاجزين عن الاستمرار، وبالأخص الشباب الذين ضاقت بهم ردهات ومداخل السفارات استجداء لتأشيرة الرحيل.

انفجر الشارع، استمر الحراك وتنامى وأخذ يتوسع ليشمل المناطق اللبنانية كافة، مع حضور خجول في مناطق سيطرة حزب الله. وكانت الدعوة إلى الحشد الكبير يوم السبت 29 أغسطس 2015 والتي لاقت تجاوبا واسعا أخاف كل قوى السلطة.

الساعات الأربع والعشرون التي سبقت الحشد تنبئنا عن الجهة التي تحمي النظام من السقوط. تهديدات مباشرة للمواطنين لمنع نزولهم إلى الشارع، رسائل إلكترونية تتهدد الناشطين، نشرات في الإعلام وعلى مواقع التواصل الاجتماعي لتشويه ماضي بعض الناشطين وكيْل الاتهامات لهم، وللحراك عموما، بالعمل لمصلحة السفارة الأميركية بهدف زج لبنان في الربيع العربي (الأميركي) المدمر والمعادي للمقاومة.

حملات شرسة قادها مؤيدو حزب الله على الحراك الشعبي والتي لم تمنع عشرات الآلاف من النزول إلى الشارع لتعبر عن سخطها على الطرفين “الآذاريين” الممسكين بالسلطة والمسؤولين عن كل مآسي اللبنانيين على مدى السنوات الماضية دون تمييز.

إن من شن حربا دموية على الشعب السوري لحماية نظام الأسد من السقوط هي الجهة عينها التي تحمي اليوم نظام الفساد والنهب في لبنان من الشعب الذي يريد إسقاطه.

كاتب لبناني

8