من يخبر النيهوم أنهم عادوا وسرقوا الجامع

حتى تلك اللحظة كان من سرق الجامع، هم رجال الدين والمتواطئون معهم من رجال السلطة. لكن النيهوم لم يدر أن آخرين غيرهم سينهجون النهج ذاته، حين تتاح لهم الفرصة، لينقضوا على الجامع بدورهم.
الأحد 2019/11/10
الصادق النيهوم مفكر قرأ الماضي وتنبأ بحريق المستقبل

حين كتب الصادق النيهوم أعماله الجريئة في وقت مبكر، كان الوعي العام في العالم العربي لا يزال يعتقد أن هناك مظلوميات عديدة تختبئ في الأنحاء، هنا أو هناك، ملفات وصناديق سوداء مغلقة، لم يفتحها أحد حتى ذلك الحين. لكن الزمان تغير اليوم. فقد مرّت عقود ثلاثة بعد أن قال النيهوم إن الجامع صار بيت السلطة، وأن الإسلام ليس الإسلام الذي عرفناه. اليوم وبعد أن رأينا دولة الخليفة المزعوم أبي بكر البغدادي “الملفّقة” بالمعنى ما بعد الحديث للكلمة، والتي تستند إلى المنجز الحداثي التقني العصري، من جهة، وتثبّت الوعي عند موروث متوحش من جهة أخرى، بات من الصعب أن يكون النيهوم صوتا وحيدا فريدا في صحراء من “اللغة الساكتة”.

كان النيهوم يحذّر من أن الأحزاب الدينية إن نجحت في تشكيل حكوماتها والبدء بمسار تطبيق الشريعة، فإن أبوابا جديدة للجنة ستكون قد فتحت. وقد كان محقا في ذلك. كان كمن ينظر من نافذته إلى المستقبل.

كان ساحرا في تمييزه ما بين الجامع والمسجد، وأن مكان العبادة يختلف عن مجمع الآراء ومدارسها، وقبة ديمقراطية ذلك الزمان التي مثلها الجامع. وقد صدّق الناس كلام النيهوم بالفعل، فذهب كثير منهم ممن لم يكونوا يرتادون المساجد ليخرجوا في مظاهرات من الجوامع، حتى أن بعضا منهم لم يكونوا من المسلمين أساسا، لكنهم اختاروا المكان الوحيد الذي كانت تسمح سلطات الاستبداد للناس بالتجمع فيه، لبرمجتهم والسيطرة عليهم. لم تشغل بال النيهوم مسألة مكان الصلاة، أي البقعة التي يتمظهر فيها ذلك الارتباط بالغيب. كان يقول “في المسجد أو خارجه، يستطيع المسلم أن يؤدي فريضة الصلاة. فالإسلام يعتبر الكرة الأرضية بأسرها مسجدا مفتوحا للخلوة مع الله. لكن ثمة فرائض أخرى لا يستطيع المسلم أن يؤديها إلا في مؤتمر إداري خاص، له سلطة أعلى من سلطة الدولة، ومسؤول إداريا عن صياغة القوانين. فالجامع ليس هو المسجد. وليس مدرسة لتلقين علوم الدين، بل جهاز إداري مسؤول عن تسيير الإدارة جماعيا”.

حتى تلك اللحظة كان من سرق الجامع، هم رجال الدين والمتواطئون معهم من رجال السلطة. لكن النيهوم لم يدر أن آخرين غيرهم سينهجون النهج ذاته، حين تتاح لهم الفرصة، لينقضوا على الجامع بدورهم. ومنه سيعيدون مشروع برمجة الناس وغسل أدمغتهم.

إنهم شرائح من ضحايا الأسر الأول، الذي رسم ملامحه النيهوم بدقة وعناية. وهكذا لم يتغير شيء وزاد عدد السلطات سلطة ثالثة، بعد رجال الدين والاستبداد. لتفرخ مكنة المظلومية نمطا جديدا من المستبدين. وبتنا نرى المرشد يعتلي منصات الحرية والديمقراطية ليعلن انتصار الثورات.

لم ير النيهوم هذا المشهد. ولو رآه لربما كان فكر مليا في إضافة آلية أكثر تعقيدا لما اقترحه حين اعتبر أن الإسلام هو من اكتشف مفهوم “الشعب”. ويا لها من فكرة! إذ لا يختلف اثنان على الدور الكبير الذي لعبه الإسلام في تحرير الناس من العبودية، لكن بعض ورثة الفكر لم يأخذوا الناس إلى آفاق أقل عبودية من سابقتها.

رأى النيهوم أن يوم الجمعة كان المؤتمر الشعبي العريق في تاريخنا. وهو لا يجانب الحقيقة في ذلك، حين كان يوم الجمعة جزءا من ثقافة عامة محفوفا بمفاهيم أخرى كالمروءة والجرأة على قول الحق والتكافل الاجتماعي، لكن هذا كله لم يعد موجودا اليوم، فالمسلم يذهب إلى ذلك المؤتمر “يوم الجمعة” أعزل من كل تلك العناصر التي كانت تقويه وهو ذاهب إليه في الماضي. لن يجرأ على رفع صوته مقاطعا الخطيب بأنه يقول كلاما فارغا، فهناك من ينتظره قرب المنبر أو على الباب. وإن لم يفعل رجال الأمن هذا، فسيتبرع مصلون كثر يجلسون بجانب المسلم ذاته، ليسلموه بأنفسهم إلى سلطة أخرى موازية لسلطة المنبر.

بعد النيهوم كان الدور الإداري للجامع قد تحول وتحول. حتى أصبح إكسسوارا مرافقا لبقية أشكال الهيمنة. ولم يعد المؤتمر الشعبي سوى مصيدة لآخرين يلتقطون من خلال شبكها طرائد سيرسلونها إلى الجنة بطريقتهم هم.

اعتقد النيهوم أن الجامع هو المرادف الموضوعي العربي لتمثيلات الحرية في الغرب. وهكذا بقي أصوليا رغم معارضته للأصولية. كتب يقول إن “الإسلام هو الموقف الوحيد للإنسان الذي يستطيع أن يرى منه حقيقة اتجاهه منذ أول لحظة، إن القرآن ليبدو حقّا نورا أضاء العقل الإنساني فجأة، وتركه يرى ما لم يكن بوسعه أن يراه، وإن نقلة الحضارة القادمة سوف تتم في المكان الذي تقع فيه اليقظة على أوسع نطاق ممكن. وليس ثمة مانع واحد من أن تقع اليقظة في أرضنا؛ لكنه أيضا ليس ثمة ضمان واحد على أنها ستقع فيها دون جهد من جانبنا“.

حسنا. لا مانع من أن يكون الجامع منطلقا للحرية، لكنها تبقى رهينة عوامل عديدة أولها الوعي الجماعي. فمن ينظر إلى الجامع كما نظر إليه النيهوم؟ ومن يستطيع أن يجرده من قداسته وينزل الخطيب عن المنبر حين يزل لسانه بما لا يرضي الضمير ولا الشعب؟ لا أحد.

غير أن صدمة ما طرحه النيهوم لا تزال تتفاعل. فكثير من المثقفين اللادينيين أنفسهم ينطوون على قناعات تقديسية تمنعهم من التفاعل مع الجامع ويوم الجمعة بحرية وانطلاق. بل يبقى داخلهم يعتمل فيه وعيٌ متطرف، ذكوري وتقليدي ومحافظ، رافض للحداثة من جذورها. مع أنه يعتمرها كقبعة أو يرتديها كثياب صمّمت في مراكز حضارية بعيدة.

مغامرة النيهوم في أعماله العديدة الفكرية أو الروائية منها، مغامرة بدأت معه، لكنه افتتحها وحسب، ولم يسدل عليها ستارا من الأجوبة. كان بارعا في طرح الأسئلة. ولم يجهد للعثور على يقينيات نهائية. غير أن تراث النيهوم تراث جدير بالتفكيك ليس كلما مرت ذكرى رحيله، بل في كل حين. فعلامات استفهامه مازالت تتفجر أمام أعيننا كل لحظة. فالرمز الذي اشتغل عليه النيهوم، يتحول اليوم إلى سلعة متاحة للجميع للتنقيب والحفر، ونطاق حرية الوصول إلى المعرفة والتعبير عنها آخذ في الاتساع بشكل كوني يتيح للمليارات من البشر تقديم تفسيراتهم له.

من يدقق في عبارات النيهوم أعلاه، سيجدها تتخوّف أيضا، من أن تنطلق من أرضنا تلك النقلة الحضارية المنشودة مجددا. فهي انطلاقة بلا ضمانات حسب النيهوم. ولكن متى كان التاريخ يعطي ضمانات مسبقة لأحد؟ لاسيما لأولئك الذين لا يكلّفون أنفسهم عناء قراءته بحرية.

12