من يخلف الشاعرالتونسي محمد الصغير أولاد أحمد

الكثير من الشعراء والكتاب تخلوا عن تطوير تجاربهم الإبداعية لصالح الفعل السياسي والشهرة التي تمثل غاية ومقصد أغلب المبدعين، لكنها سلاح ذو حدين حيث ابتلعت الكثير من التجارب وجمدتها على حالها ببريقها الخادع.
الثلاثاء 2016/10/25
ليس في تاريخ الشعر شاعر يرثه آخر

من يخلف الشاعر التونسي أولاد أحمد الذي رحل عن الدنيا في السادس من شهر أبريل من هذا العام؟

ذاك هو السؤال الذي يطرحه راهنا صحافيون ومثقفون على شعراء من جيله، أو من أجيال لاحقة لجيله. والسؤال يعكس نزعة مرضية مُتأصّلة في الذّات العربية منذ القدم في المجال السياسي بالخصوص.

فقد تعوّدَ العرب على توريث السلطة. ولعل من طرحوا ويطرحون السؤال الآنف الذكر، يطمحون إلى أن يتمّ توريث الشعر أيضا في عصر ما بعد الحداثة. والحقيقة كما يظهرها لنا تاريخ الآداب في جميع العصور والثقافات جليّة، مبهرة، هي أنه لا خلافة في الشعر.

نعلم أنه لا أحد كان خليفة لهوميروس، ولا للمتنبي، ولا لدانتي، ولا لشكسبير، ولا لغوته، ولا لفيكتور هوغو، ولا للوركا، ولا لوالت ويتمن، ولا لطاغور، ولا لمحمود درويش، ولا لغيرهم من مشاهير الشعراء القدماء والمحدثين. فالشاعر الحقيقي يكون شاعرا بتفرده، وتميّزه، ونحته لشخصية خاصة به وحده. ومن شاء أن يكون مثله لن يلبث أن يصبح مضحكا، مثيرا للشفقة والاشمئزاز والسخرية.

القيادة المزعومة

لم يكن الراحل محمد الصغير أولاد أحمد بمستوى من ذكرت من الشعراء. ولم يكنْ مؤسّسا، ولا رياديّا في مجال الكتابة الشعرية. ولم يكن يمتلك الثقافة ولا الأدوات الفنية التي تخوّل له أن ينتسب إلى حلقة الكبار.

وفي مُجْمل ما كتب، يمكننا أن نتبيّن تأثيرات شعراء عرب من أمثال السياب، ومحمود درويش، ومحمد الماغوط، وسعدي يوسف. وإذن لم يكن أولاد أحمد فريدا من نوعه، بل كان شاعرا طريفا، وذكيّا، تمكّن من أن يبتدع لنفسه أسلوبا جميلا في كتابة الشعر والنثر خوّل له أن يكتسب شهرة في تونس لم يكتسبها شاعر آخر من جيله. وهو أمر لم يتوفّر للشابي الذي لم يعرف الشهرة إلاّ بعد وفاته بأزيد من عقدين.

ولم يكن أولاد أحمد معصوما من تلك النرجسيّة التي يتسم بها الكثير من الشعراء العرب. وهي نرجسيّة كانت تعميه فلا يرى من حوله، ولا يسمع غير هدير صوته الأجش الذي أرهقه التدخين والسهر وصخب الحياة اليومية.

وكان يطمئنّ للمديح المجاني الرخيص، ولا يتحمل النقد الجاد والمفيد. ولم يكن مُتَعمّقا في قراءاته، بل كان يقتصر على الاستماع إلى هذا وذاك ليلتقط من أفكارهما ما يساعده على ما يُغذّي خياله وعالمه الشعري.

وباستثناء “الوصيّة”، وبعض القصائد الأخرى التي عبّر فيها عن همومه الوجوديّة، كانت جلّ القصائد الأخرى التي كتبها أولاد أحمد صدى لأحداث سياسية واجتماعيّة هزّت البلاد منذ الثمانينات من القرن الماضي مثل ظهور الإسلاميين على المسرح السياسي في نهاية السبعينات، وانتفاضة الخبز في مطلع عام 1983، وأحداث أخرى كثيرة سبقت الانتفاضة الكبيرة التي أطاحت بنظام بن علي في الرابع عشر من شهر يناير 2011.

والذين تجاوبوا مع هذه القصائد التي تغلب عليها النزعة التحريضية، وجُلّهم من الطلبة، ومن النقابيين، ومن اليساريين، والحقوقيين، لم يفعلوا ذلك محبة للشعر في جوهره وعمقه، وإنما لأنهم وجدوا فيها ما يرضي توجّهاتهم السياسية والأيديولوجية، والشعبويّة أيضا.

من هنا نفهم تعلقهم بالقصائد التي تكثر فيها الشعارات، ويقل فيها الشعر، إن لم ينعدم أصلا مثل “أحب البلاد كما لا يحب البلاد أحد”، و”نساء بلادي نساء ونصف”.

وكان أولاد أحمد يجد في الشهرة التي أصبحت تتمتع بها مثل هذه القصائد في الأوساط اليسارية والنقابية ما يزيده تشبثا بها، وإمعانا في كتابتها. وأظن أنه لم يكن يهمه وهو يفعل ذلك أن يبتعد عن الشعر.

فما كان يعنيه أوّلا وأخيرا هو أن يظلّ محافظا على حضوره في المشهد السياسي والإعلامي حتى ولو كان ذلك على حساب الشعر. وقد ازدادت هذه النزعة استفحالا وتورّما بعد انهيار نظام بن علي.

لذلك اندفع أولاد أحمد يكتب مقالات وقصائد تحريضية ساخنة، ناسبا لنفسه ما سمّاه هو نفسه بـ”القيادة الشعريّة للثورة”. فلكأنّ مجرد أن يكون ابن سيدي بوزيد التي اشتعلت فيها أول شرارة للانتفاضة الشعبية في السابع عشر من شهر ديسمبر 2010، يخوّل له مثل هذه “القيادة”.

سلاح الشاعر كان دائما وأبدا الكلمة التي تجترح من الجسد، ومن الروح في الصمت والوحدة، وليس المطرقة أو المنجل أو الكلاشنيكوف، أو الشعارات الرنانة التي تهيّج الجماهير.

وقد جاءت جلّ النصوص والقصائد التي كتبها أولاد أحمد وهو يتزعّم “القيادة الشعريّة للثورة” شبيهة بالبيانات السياسية والأيديولوجية.

وعندما أصيب بالمرض الخبيث الذي قتله، ازداد أولاد أحمد اقترابا من عالم السياسة، مبتعدا عن عالم الشعر.

وقد يعود ذلك إلى تهافت زعماء الأحزاب على زيارته، والتودّد إليه. حتى جماعة النهضة الذين ناصبهم العداء، ولم يسلموا من لسانه ولا من قلمه، أدّوا له زيارة شرفيّة راجين له الشفاء.

وفي الاحتفالات التكريمية التي أقيمت له خلال فترة مرضه، حضر السياسيون والنقابيون، وغاب أصدقاؤه من الشعراء والكتاب.

سلاح الشاعر كان دائما وأبدا الكلمة التي تجترح من الجسد، ومن الروح في الصمت والوحدة، وليس الكلاشنيكوف

وكذا كان الأمر في جنازته حيث أبّنه حمّة الهمامي، زعيم الجبهة الشعبية اليسارية، ونقابيون لا يعرفون من شعره غير بعض القصائد التحريضية التي اشتهر بها مثل “أحب البلاد كما لا يحبّ البلاد أحد”. أما الذين عاشروه وصادقوه، وتقاسموا معه عذاب الكلمة، فقد وجدوا أنفسهم مقصيين، ومهمشين.

يرث نفسه

أعتقد أن هناك من الشعراء من يطمح فعلا إلى أن”يرث” أولاد أحمد. وأول هؤلاء هو المنصف المزغني. ولعله يعتقد أنه الأجدر بذلك إذ كان قد سبقه في كتابة الشعر التحريضي. وقد خوّلت له القصيدة التي كتبها من وحي المواجهة العنيفة بين اتحاد النقابات ونظام بورقيبة في 28 يناير 1978، أن يحصل على شيء من الشهرة في الأوساط النقابية، واليسارية.

بفضل ذلك، كان أول شاعر تونسي يحظى بشرف قراءة أشعاره على ركح مسرح قرطاج أمام جمهور غفير. ولكن حالما ارتفع صوت أولاد أحمد في مطلع الثمانينات من القرن الماضي حتى تقلصت شهرة المنصف المزغني، لتنتفي في النهاية فلم يتبق منها غير الرماد. وقد حاول المنصف المزغني أن ينفخ في هذا الرماد أكثر من مرة، إلاّ أن النار أبت الاشتعال. ويعود ذلك إلى أن أولاد أحمد يفوقه شاعرية، وتوهجا، وبيانا، وظرافة وأناقة في التعامل مع أحباء الشعر، والحياة.

مُدركا ذلك، عاش المنصف المزغني هذا التفوق كجرح، يكظمه حينا، ويظهره حينا آخر. وربما كان يظنّ أن تعيينه مديرا لبيت الشعر بعد إعفاء أولاد أحمد من ذلك، سيسمح له باسترداد ما فقده، لكنه فشل في ذلك فشلا ذريعا. فحتى نهاية حياته، ظلّ أولاد أحمد نجما مضيئا تاركا صديقه اللدود يتخبط في عتمة نفسه المهانة.

ولعل المنصف المزغني يظنّ أنّ النصوص والقصائد التي كتبها ويكتبها في نقد الحالة السياسية الراهنة في تونس، كتلك التي انتقد فيها الرئيس المؤقت السابق محمد المنصف المرزوقي، أو تلك التي سخر فيها من نواب البرلمان الجديد، ستتيح له ملء الفراغ الذي تركه أولاد أحمد، إلاّ أنها جاءت تهريجية، ومصطنعة، وثقيلة بحيث زادت في هبوطه شعريّا ليصبح هدفا للتندر والسخرية. وإذن لن يرث أولاد أحمد إلاّ أولاد أحمد … فعلى روحه السلام.

15