من يخلف المفكرين الكبار؟

الثلاثاء 2018/02/06

انطلاقا من الستينات من القرن الماضي وحتى نهاية القرن العشرين، برز في العالم العربي مشرقا ومغربا مفكرون كبار يتميّزون بمعرفة واسعة بالثقافة الغربية، وبدقة في التحليل، وبوضوح في الرؤية، وبجرأة في نقد الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية. وقد لعب هؤلاء جميعا، أدوارا هامة في تطوير الفكر العربي، وجعله مواكبا للقضايا التي تواجهها البلدان والشعوب العربية، وقادرا على تحليلها وتمحيصها بجدية وصرامة.

في مطلع السبعينات من القرن الماضي، أصدر المغربي عبدالله العروي كتابين هامين هما “الأيديولوجيا العربية المعاصرة”، و”أزمة المثقفين العرب”. وفي كلا الكتابين، حاول العروي، اعتمادا على المناهج الفكرية والفلسفية الغربية، تحليل أسباب تخلف العرب وبقائهم خارج التاريخ. وكان من الطبيعي أن يثير الكتابان ضجة واسعة في الأوساط الثقافية العربية في المغرب والمشرق في تلك الفترة الموسومة بالمرارة واليأس بسبب الهزيمة المهينة التي لحقت بالجيوش العربية في حرب صيف 1967.

وفي نفس الفترة أيضا أصدر السوري صادق جلال العظم كتابا بعنوان “نقد الفكر الديني”، مُتضمنا نقدا شجاعا وجريئا لطغيان الدين على الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، مبرزا التداعيات السلبية لهذه الظاهرة على جلّ المجتمعات العربية، ومحذّرا من مخاطرها الجسيمة على الحرية الفكرية. كما أصدر نفس هذا المفكر كتابا آخر انتقد فيه الأفكار الخاطئة التي يعتمد عليها القادة الفلسطينيون في معاركهم وحروبهم ضد إسرائيل، مبرزا أن مثل تلك الأفكار كانت من بين الأسباب الأساسية التي أدّت إلى الهزائم التي مني بها العرب في حروبهم مع إسرائيل. وبذلك يكون صادق جلال العظم أول مفكر عربيّ يتجرّأ على نقد الظواهر السلبية في الثورة الفلسطينية، متحررا من العواطف، ومن الأفكار الأيديولوجية الضيقة.

وقام كل من التونسي هشام جعيط، والجزائري محمد أركون، والمغربي محمد عابد الجابري بمحاولات لإحياء الفكر الفلسفي العربي اعتمادا على التراث القديم المتمثل في أعمال ابن رشد وابن سينا وابن خلدون وغيرهم. وكان الهدف الأساسي لمثل هذا الإحياء هو التصدي للفكر الأصولي الذي بدأ ينتشر بسرعة مرعبة في جميع أنحاء العالم العربي، معطلا النهوض الفكري الذي كانت تطمح إليه النخب العربية مشرقا ومغربا. ومن واشنطن حيث كان يعمل أستاذا في جامعة جورج تاون المرموقة، أعاد الفلسطيني هشام شرابي تخلف العرب السياسي والفكري، وانعدام الديمقراطية في جل البلدان العربية إلى ما سماه بـ”البطركية” التي تعتمدها أنظمة الحكم للسيطرة على الشعوب وعلى النخب. كما تعتمدها الحركات الأصولية لنسف كل تطلع إلى التقدم والحرية. وعلينا أن نشير أيضا إلى أن هشام شرابي كان أعمق من حلل العلاقة بين الغرب والنخب المثقفة في العلم العربي.

وكان من الطبيعي أن تشيع كل هذه الأفكار، وهذه الأطروحات نقاشات حامية، وجدلا واسعا في الجامعات ومراكز البحوث وفي أوساط المثقفين. إلا أن هذه الحيوية الفكرية بدأت تفقد إشعاعها خلال العقد الأخير. فقد رحل عن الدنيا كل من محمد عابد الجابري وهشام شرابي ومحمد أركون وصادق جلال العظم. وأما هشام جعيط وعبدالله العروي فيبدوان وكأنهما انسحبا من الحياة الفكرية والثقافية بسبب الشيخوخة، إذ أننا لم نعد نقرأ لهما ما يمكن أن يذكرنا بمكانتهما القديمة.

والمؤسف أن هؤلاء المفكرين الكبار لم يتركوا تلاميذة وأتباعا قادرين على مواصلة أبحاثهم وتعميق أفكارهم وأطروحاتهم. أو أنهم تركوا تلاميذ ومريدين إلاّ أنهم لا يتمتعون بخبرتهم، وتجاربهم ومعارفهم وثقافاتهم الواسعة وإرادتهم القوية. كما أن جلّ أعمال هؤلاء تكاد تقتصر على تفسير أفكار وأطروحات معلميهم المذكورين بحيث تكاد تكون خالية من ذلك الجديد الذي يحرك السواكن، ويكون حافزا لإثارة الجدل الفكري العميق والمفيد. ولعل في كلّ هذا ما يفسر الفراغ الفكري الذي يعيشه العرب راهنا، والذي سمح للمشعوذين وللحركات الأصولية بالبروز والانتشار لينصبوا أنفسهم قادة للفكر والرأي، وقوّاميين على شؤون الدنيا والدين.

كاتب تونسي

14