من يدفع الثمن

تعيش الفتيات (المشرّدات) في الواقع داخل إطار رواية مرعبة في مكان مظلم ورطب لا تدخله الشمس، في عزلة تامة عن رؤية الشارع أو استنشاق هواء الطبيعة أو التنزه أو حتى رؤية أفراد أسرهن ومعارفهن إن وجدوا.
السبت 2019/01/12
سجن أبدي معزول عن العالم الخارجي

في رواية قديمة كنت أطالعها قبل أيام، توقفت كثيرا عند قصة بطلتها التي نشأت يتيمة الأب والأم في بيت عمها، وكانت زوجة العمّ تحاول إجبارها على الزواج بشخص لا ترغب به للتخلص من مسؤوليتها، كانت الفتاة تتوسل المرأة الشريرة قائلة “لماذا عليّ أن أدفع ثمن وفاة والديّ بقية عمري؟”.

مؤكد، تعرضت الفتاة لشتى صنوف العذاب النفسي وهي تعمل خادمة دون أجر في بيت عمها وتعامل باحتقار، وكأنها شيء لا قيمة له ولا يشكل وجوده أيّ تأثير في المحيطين به سوى الحيز الذي يشغله جسدها الناحل في فراغ المنزل.

يتقمص مكان مشابه هذه الوظيفة المقيتة ويستضيف مجموعة من الفتيات اللواتي يدفعن ثمن تفكك أسري أو حوادث يتكفل بها قدر أحمق، أما التصنيف الرسمي له فهو “دار الدولة لتأهيل الأحداث والمشردات” التابعة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية في العراق، والوظيفة الحقيقية “سجن أبدي معزول عن العالم الخارجي”، حيث يتمّ تكديس نزيلات الدار في غرف مع توفير المأوى والطعام والشراب مع درجة حرارة معينة كافية لبقائهن على قيد الحياة فقط.

بحسب جهات رسمية، تتباين أسباب وجود فتيات في عمر الورد سجينات هذه الدار، فبعضهن أودعن فيها لتهم تتعلق بالتسول أو لتنفيذ حكم قضائي أو التشرد أو اليتم، والتهمة الأخيرة تلصق بالضحية منذ يوم ولادتها، كما أن بعض الفتيات لم يجدن مأوى آخر غير هذا المكان بعد تخلّي الأهل عنهن لأسباب تتعلق بظروف المعيشة الصعبة.

تعيش الفتيات (المشرّدات) في الواقع داخل إطار رواية مرعبة في مكان مظلم ورطب لا تدخله الشمس، في عزلة تامة عن رؤية الشارع أو استنشاق هواء الطبيعة أو التنزه أو حتى رؤية أفراد أسرهن ومعارفهن إن وجدوا، تماماً مثل حكايات ملاجئ الأيتام التي زرعت غصة في قلوبنا عندما كنا صغاراً نجلس إلى مقاعد منازلنا الوثيرة ونشاهد تفاصيلها في فيلم يعرضه التلفزيون بين حين وآخر. كنّا نتابع حيوات الأطفال المساكين الذين أوصلهم سوء طالعهم ليكونوا في نهاية المطاف نزلاء هذه الأماكن الرطبة والمظلمة، نذرف الدموع من أجلهم ونرسل لهم تعاطفنا عبر الأثير حتى يتملكنا الخوف من المجهول، الخوف من أن يضعنا القدر على أسرتهم ويحوطنا بجدرانهم ويحبسنا في مأساتهم إلى الأبد. لكن خوفنا سرعان ما كان ينتهي مع أول رشفة من كوب الكاكاو بالحليب تعده أم حنون، تضعنا في نهاية المطاف في فراش دافئ وتتمنى لنا نوماً هنيئاً، ثم سرعان ما تتسرب أحداث الفيلم من بين شقوق ذاكرتنا ولا يبقى أي أثر سوى لقبلة الأم الرقيقة، نحملها معنا إلى داخل حلم جميل كزوّادة حتى يستعيد الصباح السعيد إشراقة ابتسامتها في وجوهنا مرة أخرى.

يقيناً، أن (المشرّدات) في دار الرعاية في بغداد، لم يتسن لهن تجربة مذاق كوب الكاكاو بالحليب ولم يجرّبن يوماً مذاق قبلة أم حنونة ولم تتح لهن الفرصة طبعاً لمشاهدة أفلام من هذا النوع، فالفيلم الوحيد الذي سمح لهن بمشاهدته والعيش داخل كواليسه المخيفة، هو حياتهن اليومية داخل أسوار الدار.

الأسبوع الماضي، في مركز إيواء المشردات هذا، لقيت 6 فتيات حتفهن حرقا في حادثة مجهولة قيل أنها كانت بتخطيط مسبق بغية الانتحار! لكن، ما الذي يدفع فتيات بعمر الزهور لإنهاء حياتهن بهذه الصورة البشعة؟

ما زالت التحقيقات مستمرة، من قبل جهات عدة، لكن التحقيق في النهاية لن يفضي إلى حقيقة وأسباب ما حدث، طالما أن الأمر لا يعدو كونه مجرد فصل آخر في رواية ستنتهي بذرف الدموع على بطلاتها، اللاتي فارقن الحياة وفي قلوبهن غصّة بمذاق قُبلة أمّ غائبة.

21